قال الباحث في معهد أبحاث الدراسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس”، مسيف مسيف، إن المجتمع الفلسطيني بات يعيش حالة “بقاء اقتصادي”، وهي مرحلة تسبق الانهيار الكامل، في حال استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في احتجاز أموال المقاصة دون تدخل عاجل.
وشدد مسيف، أن أي مخرج من الأزمة الحالية يبقى مرهوناً بالإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة أو توفير دعم مالي خارجي عاجل، سواء عبر شبكة الأمان العربية أو من خلال المانحين الدوليين، محذراً من أن استمرار الوضع القائم قد يقود الاقتصاد الفلسطيني إلى أخطر أزمة مالية واجتماعية في تاريخه الحديث.
ولفت إلى أن استمرار اقتطاع أموال المقاصة، إلى جانب تراجع الدعم الخارجي والانكماش الاقتصادي المتواصل، أدّى إلى إدخال المالية العامة الفلسطينية في مرحلة “إفلاس مالي غير معلن”، انعكس بصورة مباشرة على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين والقطاع الخاص.
وأكد مسيف، أن الأزمة المالية للسلطة لم تعد مرتبطة باحتجاز أموال المقاصة، بل هي نتاج تراكمات ممتدة منذ سنوات، تقوم على ثلاثة عوامل رئيسية متداخلة، حيث يتمثل العامل الأول في الانخفاض المستمر في حجم الدعم الدولي المخصص للموازنة الفلسطينية، وهو ما حرم الخزينة العامة من أحد أهم مصادر التوازن المالي خلال السنوات الماضية.
أما العامل الثاني، وفق مسيف، فيتمثل في احتجاز واقتطاع أموال المقاصة لأسباب سياسية، وهي الأموال التي تشكل العمود الفقري للإيرادات العامة الفلسطينية، مشيراً إلى أن قيمة الأموال المحتجزة منذ مطلع عام 2025 بلغت نحو 3.7 مليار دولار، ما أدى إلى تفاقم العجز المالي بصورة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن العامل الثالث يتمثل في تآكل الإيرادات الذاتية للحكومة الفلسطينية نتيجة التراجع الحاد في النشاط الاقتصادي المحلي، بدءاً من تداعيات جائحة كورونا وصولاً إلى التطورات السياسية والأمنية الأخيرة، الأمر الذي قلّص من حجم الضرائب والرسوم المحلية، وحوّل الموازنة من أداة تنموية إلى وسيلة لإدارة الأزمات فقط.
وبيّن مسيف أن الحكومة الفلسطينية حاولت خلال السنوات الماضية احتواء الأزمة عبر سلسلة من الإجراءات، شملت التوسع في الاقتراض المحلي، وخفض النفقات العامة، وتقليص المصروفات التشغيلية، وتأجيل مستحقات القطاع الخاص، إضافة إلى صرف رواتب الموظفين العموميين بنسب جزئية ومتفاوتة.
إلا أن هذه الإجراءات، وفق مسيف، بلغت حدّها الأقصى ولم تعد قادرة على منع الانهيار التدريجي في الملاءة المالية.
وأشار إلى أن السلطة تواجه أزمة سيولة عميقة، لافتاً إلى أن نسبة الدين المحلي إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت إلى نحو 84 بالمئة، متجاوزة بكثير السقف المحدد قانونياً، ما يعكس فقدان الاقتصاد الفلسطيني لقدرته على استيعاب المزيد من المديونية.
وأكد، أن تداعيات الأزمة لم تعد محصورة في المؤسسات الرسمية، بل امتدت إلى المجتمع الفلسطيني ككل، حيث تراجعت القوة الشرائية، وازدادت حالات الشيكات المرتجعة، وتصاعدت القضايا المالية، في ظل عجز متزايد للأسر عن الوفاء بالتزاماتها اليومية.