بعد عقود من دراسة السعادة والرفاه النفسي، لم تقتصر استفادة بعض أبرز الباحثين في هذا المجال على اكتساب المعرفة العلمية، بل امتدت إلى تغيير طريقة عيشهم واختياراتهم اليومية. فقد أصبح قضاء وقت أطول مع الأسرة والأصدقاء أولوية لدى عدد منهم، في انعكاس لما تكشفه الأبحاث عن الدور المحوري للعلاقات الإنسانية في حياة أكثر سعادة.
وتجمع ورقة بحثية جديدة، نُشرت في «مجلة دراسات السعادة»، رؤى 13 خبيراً دولياً تبلغ خبراتهم البحثية مجتمعة نحو 600 عام، مستعرضة ما تعلموه من دراسة الرفاه النفسي وكيف انعكست هذه المعرفة على حياتهم الشخصية، بحسب تقرير "SciTech Daily".
5 دروس أساسية لحياة أكثر سعادة
تتمثل إحدى أبرز خلاصات الباحثين في أن السعادة لا تعتمد على عامل واحد، بل تتشكل من مجموعة عناصر تتفاعل معاً. وتبرز العلاقات الاجتماعية القوية في مقدمتها، إلى جانب الشعور بالهدف، وممارسة أنشطة تتفق مع القيم الشخصية، وتطوير عادات يومية تعزز الرفاه.
ويأتي المال ضمن هذه المعادلة، لكنه ليس ضمانة للسعادة. فالأمان المالي يساعد على تلبية الاحتياجات الأساسية وتخفيف بعض الضغوط، إلا أن أثر زيادة الدخل قد يختلف باختلاف الظروف، ولا يكفي وحده لضمان حياة مرضية.
كذلك، لا تتطلب السعادة الشعور بالرضا طوال الوقت؛ إذ يمر الجميع بمشاعر سلبية وضغوط وانتكاسات. والأهم هو القدرة على التعامل معها والتكيف مع الصعوبات، بدلاً من الاعتقاد بأن الحياة السعيدة تخلو من المشكلات.
العلاقات الاجتماعية تتصدر قائمة عوامل السعادة
تقول أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة سايمون فريزر الكندية، لارا أكنين، إن العلاقات الإنسانية تمثل أحد أقوى العوامل المرتبطة بالسعادة. وقد شاركت في تأليف الورقة مع سادي ستينلوند من جامعة هارفارد وكيلسي أوكونور من المعهد الوطني للإحصاء في لوكسمبورغ.
وتشير أكنين إلى أن الأدلة في العلوم الاجتماعية تظهر باستمرار ارتباط العلاقات الداعمة بمستويات أعلى من الرفاه. فوجود شخص واحد يمكن الاعتماد عليه قد يصنع فارقاً مهماً، بينما يمنح الانتماء إلى مجتمعات وشبكات اجتماعية متعددة فرصاً إضافية للدعم والتواصل.
وهذا ما دفع بعض الباحثين المشاركين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، وتخصيص وقت أكبر للأشخاص المقربين منهم، بدلاً من ترك العلاقات في مرتبة متأخرة أمام متطلبات العمل والحياة اليومية.
هل يمكننا التحكم في مستوى سعادتنا؟
تتأثر السعادة بعوامل متعددة، من بينها الاستعدادات الشخصية والظروف الحياتية، لكن ذلك لا يعني أنها ثابتة أو خارجة تماماً عن السيطرة. فالعادات التي يختارها الإنسان، مثل ممارسة الامتنان، وتذوّق التجارب الإيجابية، والتأمل، والتطوع، وتعزيز التواصل الاجتماعي، قد تساعد على تحسين شعوره بالرفاه.
وتشير بعض النماذج الشائعة في علم النفس الإيجابي إلى أن الأنشطة الطوعية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في السعادة، لكن النسب المتداولة بشأن تأثير الجينات والظروف والسلوك ليست قواعد علمية ثابتة تنطبق على جميع الأشخاص.
وتؤكد أكنين أن هذه النتائج تمنح الناس فرصة لتجربة ممارسات مدعومة بالأبحاث، حتى إذا كانوا يميلون بطبيعتهم إلى التشاؤم، مع مراعاة اختلاف احتياجاتهم وظروفهم.
السعادة لا تتوقف عند صاحبها
لا تقتصر آثار السعادة على الفرد، بل قد تمتد إلى علاقاته ومجتمعه. فالشعور بالرضا والدعم النفسي يمكن أن يرتبط بزيادة الاستعداد لمساعدة الآخرين والمشاركة في الحياة الاجتماعية.
وترى أكنين أن دراسة السعادة تكتسب أهمية خاصة في ظل الأزمات والأحداث المقلقة حول العالم، لأن الرفاه قد يساعد الناس على رعاية أحبائهم والانخراط في مجتمعاتهم.
السعادة تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات
كما تصف الكرم بأنه منفعة متبادلة، إذ يمكن أن يعزز الروابط بين من يقدم المساعدة ومن يتلقاها. وبذلك، لا تصبح السعادة مجرد هدف شخصي، بل عاملاً قد يدعم التواصل والتعاون والرعاية المتبادلة.
وتخلص هذه الدروس إلى أن الحياة الأكثر سعادة لا تتطلب بالضرورة ثروة أكبر أو غياب المشكلات، بل قد تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات، وتقوية العلاقات، وتخصيص وقت لما يمنح الحياة معنى.