يواجه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، مهمة سياسية معقدة في أعقاب الانتخابات التشريعية، تتمثل في اختيار المرشح الذي سيكلفه بمحاولة تشكيل الحكومة المقبلة، في ظل نظام انتخابي لا يمنح زعيم الحزب الحاصل على أكبر عدد من الأصوات حقًا تلقائيًا في تولي رئاسة الوزراء.
ومع تقدم معسكر بنيامين نتنياهو في النتائج الأولية دون تحقيق الأغلبية البرلمانية المطلوبة، تبرز تساؤلات بشأن الشخصية التي سيختارها هرتسوغ لتشكيل الحكومة، ومدى قدرتها على حشد الدعم اللازم لنيل ثقة الكنيست.
كيف يختار هرتسوغ رئيس الحكومة؟
تقتصر صلاحيات الرئيس الإسرائيلي في معظمها على مهام شرفية، إلا أن دوره يصبح أكثر أهمية عقب الانتخابات العامة، إذ يتولى اختيار المرشح الذي سيكلفه بمحاولة تشكيل الحكومة.
وبما أن الناخبين في إسرائيل يصوتون للقوائم الحزبية وليس للمرشحين بصورة فردية، فإن تحديد رئيس الحكومة المحتمل يأتي بعد فرز الأصوات وتوزيع مقاعد الكنيست.
ويستمع الرئيس، قبل اتخاذ قراره، إلى توصيات قادة الأحزاب بشأن الشخصية التي يرون أنها الأقدر على تشكيل ائتلاف حاكم، لكنه غير ملزم بتكليف زعيم الحزب الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات، إذ يمكنه اختيار مرشح آخر يعتقد أن فرصه في جمع التأييد البرلماني أكبر.
وسبق تطبيق هذا المبدأ في انتخابات عام 2009، عندما كلف الرئيس الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة، رغم حصول حزب "كاديما" الوسطي على أصوات أكثر من حزب "الليكود" الذي يتزعمه نتنياهو.
معضلة هرتسوغ بين استمرار نتنياهو والتغيير
يواجه هرتسوغ، الذي يفترض أن يحتفظ بمسافة متساوية من القوى السياسية المتنافسة، قرارًا حساسًا بشأن المرشح الذي سيكلفه بتشكيل الحكومة، في ظل نتائج لا تمنح أيًا من المعسكرين أغلبية واضحة.
ويتمثل التحدي في تحديد ما إذا كانت نتائج الانتخابات تعكس رغبة غالبية الناخبين في تغيير الحكومة، أم أنها تمنح نتنياهو فرصة جديدة للاستمرار في السلطة، رغم عدم امتلاك معسكره العدد الكافي من المقاعد لتشكيل حكومة بمفرده.
ووفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز"، واجه ائتلاف نتنياهو، الذي يعد الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، انتقادات دولية، وأسهمت سياساته في زيادة التوتر مع بعض الحلفاء وتعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.
كما انتقد هرتسوغ في مناسبات سابقة ما وصفه بعملية مقلقة من التحول إلى الوحشية داخل المجتمع الإسرائيلي، مشيرًا إلى عنف المستوطنين وإساءة معاملة الأسرى، وهي ممارسات اتهم بعض الوزراء المنتمين إلى اليمين المتطرف في ائتلاف نتنياهو بتشجيعها.
وفي سياق آخر، تعرض الرئيس الإسرائيلي لضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعفو عن نتنياهو، الذي يواجه محاكمة في قضايا فساد، لكن هرتسوغ قاوم تلك الضغوط.
آيزنكوت أمام اختبار تشكيل ائتلاف حاكم
ومن بين السيناريوهات المطروحة تكليف غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، بمحاولة تشكيل الحكومة، إلا أن هذه الخطوة لا تضمن نجاحه في جمع الأغلبية البرلمانية اللازمة.
فكتلة المعارضة المنتمية إلى يمين الوسط قد تحتاج إلى التوصل لاتفاق مع الأحزاب العربية في إسرائيل لضمان دعم كافٍ داخل الكنيست، في وقت لم يتفق فيه قادة المعارضة على إقامة مثل هذا التحالف.
وفي المقابل، استبعد نتنياهو فعليًا إشراك الأحزاب العربية في ائتلاف حكومي، مما يضع المعسكرين أمام تحديات في حشد الأصوات الكافية، ويجعل تشكيل الحكومة مرهونًا بالتفاهمات بين القوى السياسية المختلفة.
وتزداد هذه الحسابات تعقيدًا مع احتمالات اضطرار كل معسكر إلى التفاوض مع أحزاب قد تتعارض مواقفها السياسية مع توجهاته، أو يصعب قبولها ضمن ائتلاف واحد.
نتائج أولية تمنح نتنياهو التقدم دون الأغلبية
وأظهرت النتائج الأولية للانتخابات التشريعية الإسرائيلية، وفق آخر تحديث للجنة الانتخابات المركزية بعد فرز نحو 70% من الأصوات، تقدم معسكر نتنياهو بحصوله على 54 مقعدًا، مقابل 49 مقعدًا للمعارضة، فيما حصلت القوائم العربية على 17 مقعدًا.
ورغم تقدم معسكر نتنياهو، فإنه لا يزال دون الأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة، إذ يحتاج أي معسكر إلى 61 مقعدًا على الأقل من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست.
وتأتي هذه النتائج بالتزامن مع دعوة رئيس القائمة العربية المشتركة إلى إقامة "شراكة يهودية عربية حقيقية" لإنهاء حكم نتنياهو، في خطوة تبرز الدور الذي قد تؤديه الأحزاب العربية في تحديد شكل الحكومة المقبلة.