في أعماق المحيطات، تتساقط باستمرار جزيئات دقيقة تشبه الثلوج، تحمل في داخلها بقايا كائنات بحرية ومواد عضوية تسهم في تنظيم دورة الكربون على كوكب الأرض. والآن، كشف علماء أن خاصية غير متوقعة في هذه الجسيمات، تتمثل في درجة لزوجتها، قد تؤدي دوراً مهماً في تحديد كمية الكربون التي تصل إلى أعماق المحيط وتبقى مخزنة فيها لفترات طويلة.
وأظهرت دراسة أجراها باحثون من معهد سكريبس لعلوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، بالتعاون مع جامعة لينكولن، أن الجسيمات البحرية شديدة اللزوجة تقاوم التحلل بفعل البكتيريا مدة أطول، ما يمنحها فرصة أكبر للهبوط إلى أعماق بعيدة قبل تفككها. وتشير النتائج إلى أن هذه الجسيمات قد تنقل إلى أعماق المحيط أكثر من ستة أضعاف كمية الكربون التي تنقلها الجسيمات الأقل لزوجة.
ونُشرت الدراسة في مجلة «Science» في 8 أكتوبر 2026، فيما أتاح أسلوب تصوير متطور، تناولته دراسة مرافقة في مجلة «Nature Communications»، للباحثين رؤية البنية المجهرية لهذه الجسيمات ومراقبة كيفية تفاعل البكتيريا معها.
على عكس الثلوج المعروفة على اليابسة، لا تتكون «الثلوج البحرية» من بلورات جليدية، بل من تجمعات دقيقة تضم بقايا العوالق البحرية الميتة، وفضلات الكائنات، والمخاط الحيوي، والمعادن ومواد عضوية أخرى.
وتتجمع هذه المكونات في جسيمات تهبط باستمرار من المياه القريبة من السطح نحو الأعماق، في عملية طبيعية تُعد جزءاً أساسياً من دورة الكربون البحرية.
وخلال هذه الرحلة، تنقل الجسيمات الكربون الذي امتصته الكائنات البحرية أو احتوته المواد العضوية من الطبقات السطحية المضاءة بالشمس إلى المياه العميقة. وقد يبقى جزء من هذا الكربون معزولاً عن الغلاف الجوي لمئات السنين أو آلافها، بحسب العمق والظروف المحيطة به.
ويقدّر العلماء أن الثلوج البحرية تنقل أكثر من 10 مليارات طن متري من الكربون بعيداً عن سطح المحيط سنوياً، لكن نحو ملياري طن فقط يصلان إلى الأعماق التي يمكن أن يُخزّن فيها الكربون لفترات طويلة. أما الجزء الأكبر، فيُحلّل أو يُعاد تدويره بفعل الكائنات الدقيقة قبل بلوغه تلك المناطق.
وهنا تبرز أهمية الاكتشاف الجديد،إذ يشير إلى أن خصائص الجسيمات الفيزيائية، وليس تركيبها الكيميائي وحده، قد تؤثر في مقدار الكربون الذي ينجح في الوصول إلى الأعماق.
لزوجة
ركز الباحثون على اللزوجة، وهي خاصية تعبّر عن مقاومة المادة للتدفق أو التشوه، ووجدوا أن البنية الداخلية للثلوج البحرية ليست متجانسة، بل تضم مناطق تختلف في درجة لزوجتها، وهو ما يؤثر في قدرة البكتيريا على استعمارها وتفكيكها.
وأظهرت الصور المجهرية أن البكتيريا تستطيع الوصول بسهولة أكبر إلى المناطق الأقل لزوجة القريبة من سطح الجسيمات، بينما تواجه صعوبة في اختراق الأجزاء الداخلية الأكثر كثافة ومقاومة للتحلل.
ويمكن تشبيه هذه العملية بمحاولة دودة اختراق ثمرة تفاح، إذ يسهل عليها التحرك في الأجزاء الطرية، لكنها تواجه مقاومة أكبر عند الوصول إلى الأجزاء الأكثر صلابة.
وبحسب الباحثين، يتعين على البكتيريا تفكيك المادة المحيطة تدريجياً قبل التوغل في المناطق الأكثر لزوجة. وهذا التأخير يمنح الجسيمات فرصة لمواصلة الهبوط في عمود الماء، قبل أن تتحلل أو تتفتت بالكامل.
وأكدت التجارب المختبرية أن الجسيمات الأعلى لزوجة تستغرق وقتاً أطول حتى تتحلل وتتفتت بفعل البكتيريا، فيما أشارت المحاكاة الحاسوبية إلى أن مقاومتها للتحلل قد تسمح لها بالوصول إلى أعماق أكبر.
وتدعم هذه النتائج احتمال أن تؤثر اللزوجة بدرجة كبيرة في كمية الكربون التي تفلت من إعادة التدوير في المياه الضحلة وتصل إلى أعماق المحيط.
بكتريا حية
لم يكن فهم هذه العملية ممكناً بسهولة في السابق، لأن مراقبة البكتيريا الحية وهي تتحرك داخل البنية الدقيقة للمخاط تتطلب تصويراً يكشف التفاصيل المجهرية للجسيمات، وفي الوقت نفسه يتيح تتبع الكائنات الدقيقة داخلها.
وقال برايس إنمان، الذي بدأ دراسة هذه المشكلة عام 2021 خلال عمله باحثاً ما بعد الدكتوراه في معهد سكريبس، إن رصد التفاعلات الفردية بين البكتيريا والبنية الفيزيائية للمخاط لم يكن متاحاً بهذه الصورة من قبل.
وبعد محاولات امتدت نحو أربع سنوات، تمكن إنمان وزملاؤه، ومن بينهم عالم الأحياء الدقيقة البحرية فارووق أعظم، من تطوير أسلوب يجمع بين المجهر متحد البؤر ثلاثي الأبعاد وجزيئات فلورية متخصصة، تستطيع إظهار الاختلافات في الخصائص الفيزيائية للمخاط.
وأتاح هذا الأسلوب رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للبنية الدقيقة للثلوج البحرية، ومراقبة كيفية تحرك البكتيريا واستعمارها للمناطق المختلفة داخل الجسيمات. ووُصفت التقنية في دراسة مرافقة نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 22 يوليو 2026.
الكربون البحري
ولا تقتصر أهمية هذه التقنية على دراسة الكربون البحري، بل تفتح المجال أمام استكشاف بيئات مجهرية أخرى يتفاعل فيها المخاط مع البكتيريا.
يوجد المخاط الحيوي في بيئات عديدة، من الشعاب المرجانية وغابات عشب البحر إلى جذور النباتات والجهاز الهضمي لدى الإنسان والحيوانات. وفي هذه البيئات، يمكن للبنية الفيزيائية للمخاط أن تؤثر في كيفية التصاق البكتيريا به، وحركتها داخله، وتفاعلها مع الكائنات المحيطة.
وأشار إنمان إلى أن المخاط، رغم مظهره البسيط، يتمتع ببنية أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد، إذ يحتوي على نتوءات وتجاويف وتفاصيل دقيقة تشكل موطناً للكائنات المجهرية.
ومن شأن القدرة على تصوير هذه البنية وفهمها أن تساعد العلماء على دراسة عمليات متنوعة، تشمل تخزين الكربون في المحيطات، وتعافي الشعاب المرجانية، والتفاعلات بين البكتيريا والأنسجة الحيوية.
ويضيف الاكتشاف بُعداً جديداً إلى فهم دور المحيطات في تنظيم مناخ الأرض؛ فمصير الكربون لا يتحدد فقط بكمية المواد العضوية التي تهبط من السطح، بل يتأثر أيضاً بالخصائص الدقيقة للجسيمات التي تحمله، وبالطريقة التي تتفاعل بها البكتيريا معها.
ومع أن النتائج لا تعني أن لزوجة الثلوج البحرية وحدها تحدد قدرة المحيطات على تخزين الكربون، فإنها تكشف عن عامل مهم كان يصعب رصده مباشرة، وتمنح العلماء أداة جديدة لفهم ما يحدث في أحد أكثر الأنظمة الطبيعية تأثيراً في مناخ الكوكب.