بددت نتائج الانتخابات الإسرائيلية غير الحاسمة آمال مسؤولين في واشنطن بإحداث تغيير سريع في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، عبر إنهاء حقبة بنيامين نتنياهو أو تشكيل حكومة أقل تصادما مع الإدارة الأميركية، في ظل اتساع الانقسامات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن سياسات حكومة الاحتلال والحرب على إيران والعدوان على قطاع غزة.
وقالت مجلة "بوليتيكو"، في تقرير أعدته دانييلا تشيسلو، إن الجمود الانتخابي أبقى نتنياهو في موقع مؤثر، رغم خسارة ائتلافه الأغلبية المطلقة، ما قد يطيل مفاوضات تشكيل الحكومة أسابيع أو أشهر، ويؤجل التغيير الذي كانت قطاعات في واشنطن تأمل حدوثه.
ونقلت المجلة عن مسؤول سابق في إدارة الرئيس دونالد ترامب قوله إن هناك "تعبا من نتنياهو" في واشنطن، مضيفا أن فوز المعارضة كان سيتيح فرصة لوقف تصاعد التوتر وإدارة إسرائيل بطريقة أقل استفزازا.
انقسام أميركي بشأن نتنياهو وإسرائيل
وبحسب التقرير، تتجاوز الانتقادات الموجهة إلى نتنياهو الحزب الديمقراطي، لتشمل شخصيات جمهورية ومسؤولين في إدارة ترامب، بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، وقطاعات من حركة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" (ماغا) المعارضة للحروب الخارجية.
ونقل التقرير عن السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي قوله إن نتنياهو يمثل عقبة رئيسية أمام انسحاب الولايات المتحدة من الحرب على إيران، محذرا من أن استمرار حكمه سيبقي صوته مؤثرا لدى ترامب في اتجاه مواصلة السعي إلى تغيير النظام الإيراني.
في المقابل، لا يزال نتنياهو يحظى بدعم حلفاء في الكونغرس، فيما يعكس التباين بين انتقادات ترامب العلنية له واستمرار التنسيق العسكري والسياسي بين الجانبين انقساما داخل الحزب الجمهوري بشأن إسرائيل.
غزة والاستيطان يفاقمان تراجع مكانة إسرائيل
وربطت "بوليتيكو" تراجع مكانة إسرائيل لدى قطاعات من الرأي العام الأميركي بسياسات حكومة نتنياهو، وفي مقدمتها الحرب على غزة، التي أشار التقرير إلى أنها أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 74 ألف فلسطيني، إلى جانب توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وتشجيع واشنطن على خوض مواجهة عسكرية مع إيران.
كما أشار إلى دور وزيري المالية بتسلئيل سموتريتش والأمن القومي إيتمار بن غفير في تعميق الخلافات مع أطراف أميركية، بسبب تسريع الاستيطان والدعوة إلى "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من غزة.
ونقل التقرير عن السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دان شابيرو قوله إن تراجع مكانة إسرائيل واضح في استطلاعات الرأي وبين مختلف الفئات الديموغرافية، ولا سيما الشباب، ويرتبط جانب كبير منه بنتنياهو.
وأظهر استطلاع أجرته المجلة وشمل نحو ألفي مشارك أن نحو نصف المستطلعة آراؤهم يرون أن الحملة الإسرائيلية في غزة غير مبررة أو تجاوزت الحدود.
حكومة وحدة لإبعاد سموتريتش وبن غفير
وفي ظل الانسداد السياسي، يطرح بعض الجمهوريين الداعمين لإسرائيل احتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية تستبعد سموتريتش وبن غفير، بدلا من اشتراط رحيل نتنياهو بالكامل.
ونقلت المجلة عن مسؤول سابق في البيت الأبيض قوله إن وجود الوزيرين في الحكومة يقوض رؤى ترامب بشأن السلام في الشرق الأوسط، وإن معالجة هذه المشكلة قد تكون ممكنة حتى مع بقاء نتنياهو في السلطة.
وذكرت صحيفة "واشنطن بوست"، وفق التقرير، أن نتنياهو طرح فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية على البيت الأبيض، لكن زعيم المعارضة غادي آيزنكوت رفض الاقتراح.
وفي المقابل، قال إيلان غولدنبرغ، المسؤول في منظمة "جيه ستريت" والمستشار السابق لكامالا هاريس، إن المصالح الأميركية الكبرى والسلوك الإسرائيلي في الشرق الأوسط لن يشهدا تغييرا إيجابيا ما دام نتنياهو رئيسا للوزراء، رغم أن أي حكومة جديدة لن تنهي الخلافات بين الجانبين.
آيزنكوت لا يتعهد بإقامة دولة فلسطينية
وأشار التقرير إلى أن تولي آيزنكوت رئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة تغييرا جذريا في السياسات الإسرائيلية؛ إذ تعهد بقمع عنف المستوطنين في الضفة الغربية ودعم تنفيذ خطة ترامب للسلام في غزة، لكنه استبعد إقامة دولة فلسطينية، وتعهد بتفكيك حكم حماس خلال 18 شهرا.
وفي هذا السياق، اعتبر المعلق حسن بيكر أن المشكلة لا تقتصر على نتنياهو، بل ترتبط بالاحتلال ونظام الفصل العنصري والإبادة الجماعية، مشيرا إلى أن خروجه من منصبه لا يضمن تحولا جذريا في السياسات الإسرائيلية.
مخاوف من التصعيد مع إيران ودور محتمل للأحزاب العربية
وحذرت شيرا إيفرون، الخبيرة السياسية في مؤسسة "راند"، من أن نتنياهو قد يلجأ إلى قصف إيران في إطار مساعيه للبقاء في السلطة، وربما للضغط باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية.
وفي موازاة ذلك، أشار التقرير إلى أن الأحزاب التي يقودها فلسطينيون في إسرائيل يُتوقع أن تحصل على 19 مقعدا في الكنيست، بما قد يمنحها دورا مؤثرا في أي ائتلاف يقوده آيزنكوت، رغم استبعاد نتنياهو وبعض حلفائه تشكيل حكومة معها.
ونقلت المجلة عن الباحثة في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي زها حسن تقديرها أن التغيير في أوضاع الفلسطينيين سيكون محدودا في ظل حكومة معارضة، لكنه يظل مهما في ضوء الأوضاع الكارثية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية.
وتخلص المجلة إلى أن نتائج الانتخابات لم تحسم مستقبل نتنياهو، ولم تفتح الطريق أمام تغيير سريع في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، بل كشفت اتساع الانقسام الأميركي بشأن سياساته، وسط تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل واستمرار الخلافات بشأن إيران ومستقبل الفلسطينيين.