شهدت مراكز الاقتراع في "إسرائيل"، اليوم الثلاثاء، إقبالاً مبكراً هو الأعلى منذ 45 عاما، مع إدلاء 16.7% من أصحاب حق التصويت بأصواتهم خلال الساعات الثلاث الأولى، في انتخابات تُجرى للمرة الأولى منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط انقسامات داخلية بشأن إخفاقات ذلك اليوم وتداعيات الحرب على قطاع غزة ولبنان وإيران.
وتأتي الانتخابات في ظل انقسام سياسي بشأن أداء رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو خلال الحرب، ومسؤولية حكومته عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر، إلى جانب تداعيات الحرب على مكانة "إسرائيل" الدولية وعلاقاتها الخارجية.
ويتنافس نتنياهو، الذي أمضى نحو 19 عاماً في رئاسة الحكومة على فترات مختلفة، مع رئيس الأركان الأسبق جادي آيزينكوت، الذي يسعى إلى تشكيل ائتلاف حكومي بدعم من أحزاب اليمين والوسط وما تبقى من قوى اليسار، فيما تظهر استطلاعات الرأي تقارباً بين المعسكرين وصعوبة حسم تشكيل الحكومة.
نتنياهو يتمسك بسجل الحرب وآيزينكوت يطرح التغيير
وركز نتنياهو حملته الانتخابية على قيادته خلال الحرب، مستنداً إلى دعمه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن مساندته له ودعا إلى استكمال ما وصفه بـ"المهمة" في الحرب على إيران.
ويواجه نتنياهو انتقادات من معارضيه بشأن الإخفاقات الأمنية في السابع من أكتوبر 2023، وطريقة إدارة الحرب على قطاع غزة، فيما يتمسك بسجله السياسي والعسكري، ويقدم نفسه باعتباره القادر على مواجهة خصوم "إسرائيل".
في المقابل، قال آيزينكوت، خلال زيارة إلى كيبوتس "نير عوز" جنوبي "إسرائيل"، إن اليوم الانتخابي سيشهد، بحسب توقعه، تغييراً و"روحاً جديدة" للدولة، معتبراً أن ذلك يمثل تصحيحاً لما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية، بما فيها هجمات السابع من أكتوبر.
وتوجه آيزينكوت إلى مركز الاقتراع برفقة جادي موزيس، الذي كان من بين المحتجزين الذين اقتادتهم حركة "حماس" إلى قطاع غزة خلال هجمات السابع من أكتوبر، والتي أسفرت عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي، وفق الإحصاءات الإسرائيلية.
وانضم آيزينكوت إلى حكومة الحرب برئاسة نتنياهو عقب الهجمات، قبل أن يستقيل بعد ثمانية أشهر، منتقداً طريقة إدارة رئيس الوزراء للحرب.
وقال آيزينكوت إن الرد الإسرائيلي على الهجمات أخفق في تحقيق أهدافه، مشيراً إلى استمرار حركة حماس في الحكم بقطاع غزة، وتعهد بالعمل على تفكيك قدراتها العسكرية وإنهاء سلطتها خلال 18 شهراً من تشكيل الحكومة.
الحرب على غزة في صلب المواجهة الانتخابية
وتُعد هذه الانتخابات الأولى منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، التي أعقبتها حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني، إلى جانب دمار واسع في القطاع ونزوح مئات آلاف الفلسطينيين.
كما شنت "إسرائيل" هجمات على لبنان، وخاضت مواجهات مع إيران، شملت حملة جوية استمرت 12 يوماً ضد مواقع إيرانية عام 2025، قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عام 2026.
ورغم انتقاد آيزينكوت لسياسات شركاء نتنياهو من اليمين المتطرف، وعنف المستوطنين بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، فإنه، شأنه شأن غالبية الأحزاب ذات القيادة اليهودية في "إسرائيل"، يعارض حل الدولتين، الذي شكّل أساس المفاوضات مع الفلسطينيين لعقود.
إقبال الناخبين العرب قد يؤثر في المشهد
وفي مؤشر إلى أهمية مشاركة الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، قال النائب العربي في الكنيست أحمد الطيبي إن الناخبين من الأقلية العربية يدلون بأصواتهم بأعداد وصفها بأنها "غير مسبوقة".
وفي حين استبعد آيزينكوت التحالف مع الأحزاب العربية، أشار خبراء إلى احتمال دعم هذه الأحزاب حكومة أقلية بهدف إنهاء حكم نتنياهو، في ظل صعوبة تشكيل ائتلاف يحظى بأغلبية واضحة في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً.
وقال المحلل السياسي الإسرائيلي أموتس عسائيل، من معهد شالوم هرطمان، إنه يتوقع ألا يمتلك أي من المعسكرين سوى أغلبية ضئيلة، مستبعداً تحقيق فوز كاسح لأي طرف.
ويعكس ذلك تعقيدات النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي، الذي يجعل تشكيل الحكومة مرهوناً بقدرة الأحزاب على بناء تحالفات برلمانية، وليس بنتائج المنافسة بين المرشحين الرئيسيين وحدهما.
مخاوف بشأن نزاهة الانتخابات
وفي أول تعليق علني له خلال يوم الانتخابات، دعا نتنياهو أنصاره إلى التصويت بكثافة لحزب الليكود، عقب إعلان الشرطة اعتقال ثلاثة أشخاص للاشتباه في محاولتهم تقديم رشى انتخابية.
وقال نتنياهو إن على الناخبين اليمينيين وأنصار الليكود التصويت بأعداد كبيرة، في مواجهة ما وصفه بمحاولات تقويض نزاهة الانتخابات، فيما نفى مكتبه اتهامات منتقدين له بمحاولة إثارة الشكوك بشأن العملية الانتخابية.
من جهته، أدلى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، رئيس حزب يميني متطرف في ائتلاف نتنياهو، بصوته في مستوطنة "كريات أربع" المقامة في الضفة الغربية المحتلة، متوقعاً استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة، ومؤكداً أن حزبه سيشكل ركيزة يمينية في الائتلاف.
وبدأت عملية الاقتراع عند الساعة السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي، على أن تغلق المراكز عند العاشرة مساءً. وفي حال تعذر تشكيل حكومة تحظى بالأغلبية، قد يواصل نتنياهو إدارة حكومة تصريف أعمال إلى حين إجراء انتخابات جديدة، في مشهد يعيد إلى الواجهة أزمة تشكيل الحكومات التي شهدتها "إسرائيل" خلال السنوات الماضية.