ارتقت "رغد"، صباح يوم امس، ليتوقف حلم الطب الذي طالما ناضلت لأجله، لتلحق بوالدها بعد سنوات، وخلفها عام مقبل، كانت قد حسمتْ أمرها، بأن تملؤه بدرجات الامتياز.
ومع انطلاق "رغد" نحو حلمها، بعد انتهاء عامها الدراسي بتفوق وبمعدل 99.3%، بالالتحاق بدروس "التوجيهي"، تسارعًا نحو حلم الطب، الذي استشهد والدها قبل تحقيقه، وهي طفلة، اختُطفت الفتاة، بشظايا صاروخ، وهي في ريعانها.
ليلة أمس، كانت "رغد" تجلس بين عائلتها وصديقتها المقربة "إسراء مروان"، تضحك وتمرح بجمال لافت، وكأنها كانت تتجمل لوداع لم يدركه المحبون إلا صباحًا.
واستشهدت الطالبة رغد عاشور، الإثنين، خلال استهداف طائرات الاحتلال مركبة في شارع شركة جوال غرب مدينة غزة.
حلمٌ ورثته عن الأب
ولم تكن رغد مجرد طالبة عادية، بل كانت الفتاة الوحيدة لأمها بين خمسة أشقاء من الشباب، والمتفرقة بينهم، لدرجة أنها تعد لعام "التوجيهي" المقبل، منذ مدة.
عاشت يتيمة الأب منذ أن كانت في العامين من عمرها، حيث استشهد والدها في مصر إثر مضاعفات مرضية وتليف أصابه أثناء رحلته هناك للدراسة والعلاج معًا.
تقول عمتها أم محمود لوكالة "صفا"، "كبرت رغد ولم تكن تعرف ملامح والدها إلا من خلال الصور التي احتفظت بها، لكنها ورثت عنه حلمًا عظيمًا، أن تصبح طبيبة".
تضيف باكية "كانت تقاوم التعب، وتدرس باجتهاد منقطع النظير، وتناضل في دراستها، وحصلت على معدل 99.3 بالصف الحادي عشر قبل أيام، وبدأت بالاستعداد للتوجيهي العام المقبل، من الآن".
وبحرقة رددت "كانت تريد أن تحقق حلم أبوها، فهو شهيد علم، رحل وهو يدرس، قبل أن يحصل على شهادة الطب".
صدمة الفقد ومرارة الانتظار
"خبر استشهادها صدمة عمري"، تقول الطالبة إسراء مروان، صديقتها المقربة، التي قضت مساء أمس لحظات جميلة معها.
رغد كانت تخطط مع صديقاتها وتستعد لأجواء فرح ابنة خالتها المقرر يوم الإثنين، "و"كانت مصرة على البقاء وقتاً أطول في لمة العائلة والأصدقاء"، تروي إسراء محاولة استيعاب الصدمة.
صديقتها "إسراء"، تقول "أي أحد آخر استشهد لعلني كنت سأتقبل الأمر، لكن الصدمة أن أستيقظ على خبر استشهاد رغد، وهي التي كانت عندي قبل ساعات قليلة تسهر وتضحك وكأنها تودعنا".
وتصف صديقتها الراحلة "كانت بنتاً لا مثيل لها في طيبتها، وحيويتها، وأخلاقها، وعلمها".
الخبر وقع كالصاعقة، على والدة إسراء، التي ربَّت يتيمتها بدمع العين والقلب، كانت تنتظر نتيجة ابنتها المتفوقة على أحر من الجمر، لتراها تخطو أولى خطواتها نحو حلمها، خاصة وأنها معروفة بتفوقها الكبير.
يقول خالها مجد عاشور لوكالة "صفا"، "بنت أختي رغد يتيمة، نحن من رباها، عاشت وماتت وهي تريد أن تكون مثل والدها".
ترحل رغد وحيدة، وتترك خلفها أسئلة معلقة في فضاء غزة المثقل بالدخان، ترددها صديقتها بمرارة "ما ذنبها أن ترحل بهذه الطريقة؟ لمتى سنظل هكذا؟ صرنا نخاف حتى من السير في الشوارع".
رحلت رغد، ولم تذق عائلتها فرحة تحقيق حلمها الذي ورثته عن والدها، لتلتحق به، بعد سنوات طويلة من الشوق.