كشف تيماء بني كنانه*: يدور أحداث فيلم "The Substance" (المادة) حول "إليزابيث سباركل" نجمة سينمائية وتلفزيونية سابقة يطاردها شبح الغياب بعد أن قرر الإنتاج التلفزيوني الاستغناء عنها بحجة تقدمها في السن وفي لحظة يأس وجودي مطلق، تلجأ إليزابيث إلى عقار سري غامض يُعرف باسم "المادة" (The Substance) لا تكمن معضلة البطلة في الرغبة بالبقاء فحسب بل في الانشطار الذاتي إذ ينتج عن هذا العقار توليد نسخة أخرى منها أكثر شباباً، ونضارة، وجاذبية، تُدعى "سو" إلا أن هذا الانقسام البيولوجي محكوم بشرط صارم: "أسبوع للنسخة القديمة، وأسبوع للنسخة الجديدة، بلا استثناء"، لتبدأ من هنا رحلة مرعبة من الصراع الدرامي بين الذات وظلها. يعد فيلم "The Substance" تجربة سينمائية صادمة تجاوزت حدود سينما "رعب الجسد" (Body Horror) التقليدية لتتحول إلى نص بصري متكامل يبحث في سيكولوجية الهوس بالجمال وقدرة النظام الرأسمالي والإعلامي على تسليع الجسد الأنثوي ودفع الكائن نحو تدمير ذاته وتتأسس بنية السرد هنا على "الجسد" بوصفه القوة المهيمنة والمحركة للأحداث، والوعاء الإنساني الذي يعاني الاغتراب في مواجهة معايير مجتمعية قاسية. وهنا يتجلى أمامنا الذكاء الإخراجي للمخرجة كورالي فارميت التي عُرفت بقدرتها على كسر جمود الأفكار السائدة وتحويلها إلى حركية بصرية نابضة بالتدفق البصري والصوتي إذ نجحت في توظيف الألوان الفاقعة والزوايا القريبة الحادة (Extreme Close-ups) والأصوات المضخمة لترسخ شعوراً بالانزعاج والاشمئزاز واضعةً المشاهد في قلب التحدي النفسي والجسدي الذي تعيشه البطلة بدأت رحلة البطلة إليزابيث بتساؤل وجودي مضمر: "هل ما زلتُ مرئية؟ هل لي قيمة دون طاقة الشباب؟" ومرت بتحولات درامية مرعبة حيث يتتبع النص تحول الشخصية المحورية من امرأة ناضجة تعاني التهميش، إلى منقادة بالكامل وراء جشع نسختها الشابة "سو".
هذه الأخيرة تبدأ تدريجياً في سرقة الوقت المخصص للأصل، متجاهلةً التوازن الحيوي، مما يحوّل حياة إليزابيث إلى رحلة بصرية ونفسية مرعبة تجعل من صراع الأجيال والصراع مع الذات الركيزة الوجودية للقصة. إنه تجسيد معاصر لأسطورة "فاوست" حيث تبيع المرأة روحها وجسدها للشيطان (الممثَّل هنا في صناعة الترفيه وعقار المادة) مقابل المظهر والقبول الاجتماعي ويقدم السيناريو دراسة حالة سيميوطيقية دقيقة حول مفهوم الشيفرة والاصطلاح في عصر "الميديا"؛ فالنجم الحجري الذي يحمل اسم إليزابيث في ممر الشهرة بهوليوود، والذي نراه في بداية الفيلم لامعاً ومحط الأنظار يتحول تدريجياً عبر لقطات تتابع زمني إلى رمز للاندثار مشوهاً بمرور الأقدام والأوساخ. هذا التباين الدلالي يشكل برهاناً على أن القيمة الإنسانية في هذا العصر ليست كينونة ثابتة، بل هي محكومة بالسياق الاستهلاكي حيث يتحول الجسد إلى "مادة" خاضعة لتاريخ انتهاء الصلاحية.
العلاقة بين إليزابيث و"سو" تجاوزت أن تكون مجرد انفصال بيولوجي؛ بحيث سعى صناع العمل إلى كسر النبرة الدرامية الهادئة المصاحبة عادةً لأفلام الأزمات النفسية، عبر إدخال ثنائية (الوحش والضحية) كعنصر توازن وتصعيد درامي. لم تكن "سو" مجرد ابنة أو امتداد، بل غدت طفيلياً يتغذى على النخاع الشوكي للأصل، في إسقاط مجازي صارخ على كيف يمكن للأنانية وحب الظهور أن يلتهم النواة الأخلاقية والإنسانية للإنسان.
يختتم الفيلم بخاتمة سريالية عاطفية وصادمة، يقع فيها العمل في ذروة المأساة (Grotesque)؛ حيث يؤدي الطمع ومحاولة دمج النسختين معاً إلى ولادة نسخ مشوه يجمع أشلاء الذاتين. ويشكل المشهد النهائي، حيث يندفع النسخ نحو المسرح التلفزيوني في ليلة رأس السنة، ذروة التحول النفسي والجسدي؛ فرغم البشاعة والانفجار الدموي الذي يشهده المسرح ورغم تفتت الجسد المشوه إلى أشلاء، إلا أن النهاية تحمل مفارقة تراجيدية؛ حيث يزحف ما تبقى من وجه إليزابيث الأصلي ليموت فوق نجمتها القديمة في ممر الشهرة ليرحل الجسد المشوه ويموت تحت بريق الأضواء الزائفة تاركاً خلفه صرخة سينمائية مدوية ضد ثقافة الاستهلاك التي تلتهم أبناءها.
* الناقدة السينمائية