وبينما تعطلت حركة المواطنين اليومية، يبدو المرضى الأكثر تضررًا من هذه الإجراءات، التي حولت الوصول إلى المستشفيات وتلقي العلاج إلى معاناة يومية قد تنتهي أحيانًا بمأساة.
على حاجز عورتا، جنوب شرقي نابلس، يقف سائق مركبة الإسعاف يوسف ديرية شاهدًا على ما يصفه بأنه “الفترة الأصعب” التي مرت على الطواقم الطبية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.
ويقول ديرية، إن طواقم الإسعاف باتت تقضي ساعات طويلة على الحواجز، رغم وجود تنسيق مسبق مع الجانب الإسرائيلي عبر الارتباط الفلسطيني.
ويروي أنه نقل، قبل أيام، أربعة مرضى غسيل كلى من بلدة عقربا إلى مستشفى النجاح في نابلس، إلا أن الرحلة التي يفترض أن تستغرق وقتًا قصيرًا تحولت إلى ساعات من الانتظار.
ويضيف: “وصلنا إلى حاجز عورتا وكان مغلقًا، وانتظرنا داخل المركبة قرابة ساعتين وربع الساعة، ثم تأخرنا ساعةً ونصفًا أثناء العودة”.
ويتابع ديرية أن الجنود فتشوا سيارة الإسعاف والمرضى، وصوروهم وصوروا هوياتهم، رغم وجود تنسيق مسبق عبر الارتباط الفلسطيني للسماح بالمرور.
ويؤكد أن مرضى آخرين توجهوا في اليوم ذاته لتلقي جلسات غسيل الكلى، تأخروا نحو أربع ساعات على الحاجز صباحًا، قبل أن يتأخروا مجددًا لساعتين ونصف أثناء عودتهم إلى منازلهم، رغم وجود تنسيق مسبق لهم أيضًا.
ولا تقتصر المعاناة على مرضى الأمراض المزمنة. فقبل أيام قليلة، نقلت مركبة إسعاف مريضة أخرى عبر الحاجز نفسه، إلا أنها احتُجزت لمدة ساعة ونصف، رغم التنسيق المسبق، وخضعت للتفتيش والتصوير قبل السماح لها بالمرور، بحسب ديرية.
وفي بلدة قريوت، جنوب نابلس، تحولت رحلة إسعاف عاجلة إلى مأساة إنسانية. ويروي رئيس المجلس القروي، يوسف الحاج محمد، تفاصيل ليلة عصيبة عاشتها عائلة سيدة حامل في الثلاثينيات من عمرها، كانت في شهرها السادس من الحمل، بعد تعرضها لوعكة صحية مفاجئة وتدهور حالتها خلال ساعات الليل.
ويقول إن سيارة إسعاف البلدة نقلت السيدة باتجاه مستشفيات نابلس، لكن عند وصولها إلى حاجز عورتا وجدته مغلقًا.
وخلال فترة الانتظار، طلب الجنود من سائق الإسعاف إطفاء محرك المركبة، رغم اعتماد المريضة على أسطوانة أكسجين.
وبحسب روايته لـ”الترا فلسطين”، أدى ذلك إلى توقف عمل الأسطوانة وتدهور الحالة الصحية للسيدة، التي أصيبت بنزيف حاد قبل أن يُسمح للمركبة بالمرور. وعند وصولها إلى المستشفى، تمكن الأطباء من إنقاذ حياتها، لكنهم أعلنوا وفاة الجنين في رحم أمه. ويضيف الحاج محمد أن الأم لا تزال تعاني وضعًا صحيًا صعبًا بعد الحادثة.
منع وصول وليس تأخير فقط
من جانبه، يؤكد مدير الإسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الأحمر بمحافظة نابلس، أحمد جبريل، أن المشكلة لا تقتصر على التأخير فقط، بل تشمل أيضًا منع الوصول إلى بعض الحالات المرضية.
ويقول جبريل، إن الحواجز والبوابات الحديدية المنتشرة على مداخل القرى والمدينة تشكل خطرًا مباشرًا على المرضى والطواقم الطبية، موضحًا أن فرق الإسعاف تواجه صعوبات متزايدة في الوصول إلى الحالات الطارئة أو نقلها إلى المستشفيات.
ويشير إلى عدم وجود إحصائية رسمية حتى الآن حول عدد الحالات التي تأثرت بالإغلاق، نتيجة اضطرار المواطنين إلى سلوك طرق بديلة وعرة أو بسبب تعدد الحواجز المغلقة، إلا أن الطواقم وثقت العديد من الحالات التي تعرضت للتأخير أو المنع.
ومن بين هذه الحالات، يلفت جبريل إلى واقعة ولادة سُجلت على حاجز بيت فوريك، بعد احتجاز سيدة حامل لنحو ثلاث ساعات قبل السماح لها بعبور الحاجز سيرًا على الأقدام، إضافةً إلى حالات مرضى غسيل الكلى الذين تأخروا لساعات على حاجزي عورتا ودير شرف.
ويضيف أن بعض مرضى الكلى اضطروا إلى مغادرة مركباتهم والسير على الأقدام بعد ساعات طويلة من الانتظار من أجل الوصول إلى العلاج.
وفي الظروف الطبيعية، يقول جبريل إن خدمات الإسعاف حول العالم تعتمد على معايير دقيقة لزمن الاستجابة للحالات الطارئة، إذ يمكن للدقائق الأولى أن تحدد مصير المريض. لكن في محافظة نابلس، كما يقول، أصبح الحديث عن زمن استجابة محدد أمرًا شبه مستحيل.
ويضيف: “لدينا بروتوكولات واضحة للإسعاف والطوارئ، لكن واقع الحواجز وتقطيع أوصال المدن والقرى ألغى عمليًا مفهوم زمن الاستجابة في فلسطين”.
“الوضع صعب وخطير”
في السياق، قال محافظ محافظة نابلس غسان دغلس، إن الحواجز في محيط نابلس والإغلاقات أثرت على كافة مناحي الحياة، وبالدرجة الأولى أثرت على القطاع الصحي، ثم على قطاع التعليم والعمال، وحتى على حفلات التخرج في الجامعات والنجاح في الثانوية العامة وغيرها من المناسبات.
وأكد دغلس أن الوضع “صعبٌ وخطير على الحواجز لدرجة أن هناك نساء تلد على الحواجز، وقد أُجهض جنين في الشهر السادس بسبب هذه الحواجز، وهذا له تداعيات خطيرة”.
وأضاف أن هذا الأمر “يتطلب وقفة جدية من المجتمع الدولي، لأن هناك حصارًا وحالة عقاب لشعب كامل بكل معنى الكلمة”.
ومع استمرار الإغلاق المشدد على محافظة نابلس، تتكرر يوميًا قصص المرضى العالقين على الحواجز، بين من ينتظر جلسة علاج لا تحتمل التأجيل، ومن يسابق الزمن لإنقاذ حياة مريض أو جنين، فيما تحولت الطرق المؤدية إلى المستشفيات إلى نقاط انتظار مفتوحة على المجهول، حيث أصبح الوصول إلى الرعاية الصحية تحديًا إضافيًا يفرضه الحصار على المرضى قبل أن يواجهوا مرضهم.