على مدى سنوات، افترض العلماء أن أكثر أنواع الفطر السحري شهرة وانتشارا في الزراعة عالميا، وهو فطر سيلوسايبي كيوبينسيس، قد انتقل إلى أمريكا عن غير قصد مع إدخال الماشية من أفريقيا وأوروبا خلال القرن السادس عشر، لكن اكتشاف نوع جديد من الفطر في جنوب أفريقيا قد يحسم الجدل العلمي المستمر منذ فترة طويلة حول أصله.
وفي دراسة جديدة نُشرت في مجلة "بروسيدنجز أوف ذا رويال سوسيتي بي" (Proceedings of the Royal Society B)، تمكن فريق دولي من الباحثين من أفريقيا والولايات المتحدة من تحديد نوع جديد من الفطر المهلوس، وهو أقرب الأنواع البرية المعروفة لفطر سيلوسايبي كيوبينسيس، ما يشير إلى أن تاريخه أقدم بكثير وأكثر تعقيدا مما كان يُعتقد سابقا.
قريب خفي
يوضح عالم الفطريات وطالب الدكتوراه في الهندسة الكيميائية بجامعة ستيلينبوش في جنوب أفريقيا بريتن فان دير ميروه، وأحد المشاركين في الدراسة، أن "الفطريات السحرية تنتمي في الغالب إلى جنس سيلوسايبي، وتنتج مركبا ذا تأثير نفسي يُعرف باسم السيلوسيبين".
ويضيف في حديثه للجزيرة نت "من الناحية العلمية، تكتسب هذه الفطريات أهمية متزايدة في مجالات دراسة علم الأدوية العصبية والعلاج النفسي، حيث تتنامى الأدلة على دورها المحتمل في علاج اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه واضطراب ما بعد الصدمة".
ويستمد النوع المكتشف حديثا، المعروف بـ"سيلوسايبي أوكراسيوسينتراتا"، اسمه من اللون الأصفر الأوكري في مركز قبعة الفطر. وعُثر عليه ناميا على روث الماشية في المراعي بجنوب أفريقيا وزيمبابوي. وهي سمة يشترك فيها مع فطر سيلوسايبي كيوبينسيس، فكلا النوعين يعتمدان على روث الحيوانات -سواء الأبقار أو البيسون أو الماعز أو الخيول وغيرها- لنشر أبواغهما.
ورغم أن هذا النوع المستأنس، المعروف في أفريقيا وآسيا، لكنه لم يحظ بدراسة كافية من قبل العلماء الغربيين، يُعد من أكثر أنواع الفطر المهلوس انتشارا في الزراعة، فإن أصوله وكيف امتلك خصائصه ذات التأثير النفسي لا تزال لغزا إلى حد كبير.
يُعرف هذا النوع بأسماء متعددة حول العالم، مثل "الفطر السحري" و"شرومز" و"القبعات الذهبية"، ويشتهر بتأثيراته المهلوسة على الدماغ البشري. وقد جرى توصيفه لأول مرة في كوبا عام 1906، قبل أن يكتسب شعبية واسعة بين المزارعين بسبب قوته وسهولة زراعته. ومع ذلك، لم يكن أحد يدرك، حتى صدور هذه الدراسة، أنه يمثل نوعا مستقلا تماما عن الفطر السحري التقليدي.
وكشف الباحثون أن سيلوسايبي أوكراسيوسينتراتا كان يُتداول ويُستزرع حول العالم منذ سنوات تحت أسماء مثل ناتال سوبر سترينث (إن إس إس) وترانسكاي، إلا أن اختلافه الجيني عن الفطر السحري لم يتبين إلا في هذه الدراسة.
وعلى الرغم من تشابه المظهر الخارجي إلى حد كبير بين النوعين، واشتراكهما في بيئة نمو تعتمد على الروث، وإنتاج مادة السيلوسيبين، فإنهما يختلفان في خصائصهما الجينية والبيئية والكيميائية.
ويشير فان دير ميروه إلى أن أوجه الاختلاف بين النوعين تشمل انفصال مسارهما، والاختلاف الجيني بشكل واضح، كما يختلفان في الخصائص المجهرية (مثل شكل الخلايا الكيسية). وبينما يعد سيلوسايبي أوكراسيوسينتراتا نوعا متوطنا في أفريقيا، يتمتع فطر سيلوسايبي كيوبينسيس بانتشار عالمي وهو خاضع جزئيًا للاستئناس والزراعة.
تتبع المسار
لتحديد العلاقة بين النوعين، قام الفريق بتحليل الحمض النووي لعينات حديثة من هذا النوع الجديد جُمعت من أنحاء جنوب أفريقيا، إلى جانب عينات مرجعية تاريخية أقدم محفوظة في المتاحف والمجموعات العلمية.
وكانت الدكتورة كاثي شارب من متحف التاريخ الطبيعي في زيمبابوي، وهي إحدى المشاركات في الدراسة، قد عثرت على بعض أولى العينات في زيمبابوي عام 2013، ومع ذلك، لا تزال أفريقيا تحتضن تنوعا فطريا خفيا لم يُستكشف بالشكل الكافي.
ووفقا لفان دير ميروه، استخدم الباحثون مجموعة من الأدوات العلمية المتقدمة، شملت التحليل متعدد المواقع الجينية، إلى جانب تقنيات التأريخ الجزيئي باستخدام النماذج البايزية، لتقدير زمن انفصال النوعين. كما استعانوا بنماذج توزيع الأنواع ونمذجة النطاق البيئي لفهم البيئات التي ظهرت وانتشرت فيها هذه الفطريات.
وتشير النتائج إلى أن سيلوسايبي أوكراسيوسينتراتا انفصل عن سيلوسايبي كيوبينسيس قبل نحو 1.5 مليون سنة، أي قبل وقت طويل من الانتشار العالمي للماشية المستأنسة، في تحد مباشر للفكرة السائدة منذ زمن طويل حول كيفية انتشار الفطر السحري عالميا.
رؤى جديدة
يحمل هذا الاكتشاف إمكانات لإعادة تشكيل الفهم العلمي لكيفية انتشار الفطر المهلوس عبر القارات. إذ قد يكون تاريخ فطر سيلوسايبي كيوبينسيس مرتبطا بتغيرات بيئية أقدم بكثير، بدلا من ظهوره حديثا نتيجة النشاط الزراعي البشري.
وفي الدراسة، طرح الباحثون عدة سيناريوهات محتملة تفسر كيفية وتوقيت انفصال هذين النوعين قبل ملايين السنين. ففي تلك الفترة، كانت المراعي تتوسع وتتنوع عبر أجزاء من العالم، بينما كانت الحيوانات العاشبة – التي توفر بيئة غذائية لنمو هذه الفطريات – تنتقل من أفريقيا إلى أوروبا وآسيا.
ويرجح أحد السيناريوهات العلمية الأخرى -كما يقول فان دير ميروه- أن يكون الأصل قد نشأ في أفريقيا، قبل أن ينتشر فطر سيلوسايبي كيوبينسيس لاحقا إلى مناطق أخرى عبر ما يُعرف بحدث انتشار نادر، أعقبه انعزال جغرافي أسهم في تمايزه.
كما لا يستبعد الفريق احتمال أن يكون أجداده قد عبروا المحيط الأطلسي ربما عبر وسائط طبيعية مثل التيارات الهوائية أو الحشرات، في إطار أحداث انتشار محدودة لكنها مؤثرة. وفي المقابل، يظل سيناريو الهجرة عبر جسر بيرينغ البري مطروحا، وإن بدرجة أقل ترجيحا مقارنة ببقية الفرضيات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
ويرجح الباحثون أن هذه التحولات البيئية والحيوانية الكبرى أتاحت ظروفا مناسبة أسهمت في ظهور وانتشار أنواع الفطر المهلوس بشكل منفصل، حيث تشير أنماط التوزيع الحالية إلى أن انتشار هذه الأنواع وتمايزها تأثر بعدة عوامل، من بينها وجود الحيوانات الضخمة، والتغيرات المناخية، بالإضافة إلى أحداث الانتشار النادرة التي لعبت دورا مهما في تشكيل توزيعها الجغرافي.
وتشير الدراسة إلى أن الفطريات المنتجة للسيلوسيبين قادرة على الانتشار لمسافات طويلة عبر القارات. كما يرجح أن التكيف مع البيئات الغنية بالروث ظهر في وقت مبكر من تاريخها، مما مهد لتخصصات لاحقة مثل النمو على روث الماشية. ومع ذلك، لا تقدم إجابة حاسمة حول كيفية وصول فطر سيلوسايبي كيوبينسيس إلى أمريكا.
توسيع آفاق البحث
إلى جانب إسهامه في توضيح الأصول البرية لفطر سيلوسايبي كيوبينسيس، يفتح هذا الاكتشاف آفاقا جديدة للبحث العلمي عبر توفير موارد جينية جديدة يمكن أن تدعم دراسة الفطريات المهلوسة بشكل أعمق، كما يقول فان دير ميروه.
ويضيف "يسلط أيضا الضوء على انتشار أخطاء التصنيف، وعلى التحيزات الناتجة عن نقص جمع العينات والدراسات الميدانية، ويسهم في تحسين دقة التصنيف العلمي، وهو أمر بالغ الأهمية في الأبحاث السريرية والدراسات الدوائية، إذ يساعد على تجنب أخطاء التعريف التي قد تؤثر على النتائج العلمية والتطبيقات العلاجية".
وقد شهدت الأبحاث حول الفطريات المنتجة لمادة السيلوسيبين تزايدا في السنوات الأخيرة، مع اهتمام بدراسة خصائصها الكيميائية واستكشاف استخداماتها الطبية المحتملة.
ويسعى العلماء إلى فهم كيفية تغير المركبات المهلوسة عبر الزمن، وكيف تكيفت هذه الفطريات مع بيئات متنوعة، من خلال اكتشاف أنواع جديدة ورسم خرائط علاقاتها التاريخية.