الأربعاء: 15/04/2026
أخبار عاجلة
نابلس: المدينة التي تكسر الصور النمطية - قراءة جديدة في الهوية والذاكرة
نابلسيات

نابلس: المدينة التي تكسر الصور النمطية - قراءة جديدة في الهوية والذاكرة

مقدمة: حول مقال أثار عاصفة

في عالم يتسارع نحو الفوضى، وفي عصر تسيطر عليه ردود الفعل السريعة والسطحية، يأتي مقال لكاتب معروف عن مدينة ولد فيها وترعرع على أرضها، فيثير ضجة إعلامية وجدلاً عميقاً. المقال الذي كتبه عارف حجاوي بعنوان "نابلس.. مدينة النساء القويات" لم يكن مجرد نص صحفي عابر، بل كان فتحاً لصندوق ذاكرة جماعية مليء بالتناقضات والحقائق والأوهام والصور النمطية.

هذا المقال يحاول أن يعيد النظر في كل ذلك - لا للدفاع عن حجاوي، ولا للهجوم عليه، بل للفهم الأعمق للمسألة التي طرحها: من نحن فعلاً؟ وهل نعرف أنفسنا حقاً؟ وما الفرق بين الحقيقة والصورة النمطية؟


الجزء الأول: فهم الصورة النمطية والحقيقة المعقدة

البداية الجريئة والخطأ الاستراتيجي

عندما يختار كاتب أن يبدأ مقاله بموضوع حساس مثل الممارسات الجنسية المثلية، فهو إما يبحث عن الانتباه والضجة، أو أنه يقع في فخ الصورة النمطية نفسه الذي يحاول تفكيكها. وهنا نقطة الضعف الأساسية في استراتيجية حجاوي الكتابية.

السؤال الحقيقي ليس: هل توجد ممارسات مثلية في نابلس؟ (بالتأكيد توجد، كما توجد في كل مكان في العالم)، بل السؤال هو: لماذا اختار حجاوي أن يبدأ بهذا تحديداً؟

الإجابة تكشف عن تناقض مهم: في محاولة تفكيك صورة نمطية، قام حجاوي بتعزيز صورة نمطية أخرى - صورة المدينة الملتصقة بهذا النمط. انه لم يفكك الصورة النمطية، بل أعاد صياغتها بطريقة أكثر لطفاً وذكاءً.

هذا هو الخطأ الاستراتيجي الأول، وهو يستحق النقد الحاد. لكن المشكلة أن الكثيرين اقتصروا على هذا النقد وحده، ولم يعاقبوا عمل قراءة المقال كاملاً.

القراءة الكاملة والسياق

عندما تقرأ مقال حجاوي كاملاً - لا مجرد السطر الأول - تكتشف أنه يحاول شيئاً مختلفاً تماماً. هو ينقد الصور النمطية عن النابلسي من خلال رسم صورة أكثر واقعية وإنسانية.

وصفه للرجل النابلسي بأنه "أنيس ووودود وبيتوتي" - وإن كان هذا يحمل في طياته نمطاً معيناً - إلا أنه نمط مختلف عن الصورة التقليدية للرجل الفلسطيني الذي يُصور دائماً كمحارب أو مناضل. حجاوي يقول: النابلسي هو إنسان عادي، له حياة، له بيت، له مطبخ، له علاقات إنسانية.

هذا ليس تحقيراً - كما ادعى البعض - بل هو إنسانية. وهناك فرق كبير بين الاثنين.


الجزء الثاني: المرأة النابلسية - الحقيقة التي تخيف

الشجاعة في الاعتراف بقوة النساء

أحد أجمل ما في مقال حجاوي - وربما الوحيد الذي استحق الدفاع عنه بقوة - هو حديثه عن المرأة النابلسية. هنا، يترك الصور النمطية جانباً تماماً ويتحدث بصدق عن امرأة حقيقية: قوية الشخصية، ذات صوت مسموع، تتحكم في مصائر بيتها وأسرتها بذكاء واقتدار.

هذا ليس نمطاً - هذه حقيقة. والحقيقة أن الكثيرين لا يستطيعون قبول هذه الحقيقة حول المرأة النابلسية.

لماذا؟ لأن هذه الحقيقة تتعارض مع الصورة النمطية للمرأة العربية والفلسطينية بشكل عام. المرأة في الصورة النمطية هي ضحية، ومقهورة، وخاضعة. أما المرأة النابلسية كما يصفها حجاوي - والعديد من الشهادات التاريخية تؤيد ذلك - فهي صاحبة رأي، وأحياناً صاحبة قرار.

استدعاء فدوى طوقان وسحر خليفة

عندما يستدعي حجاوي شخصيتي فدوى طوقان وسحر خليفة، فهو يحاول أن يثبت نقطة مهمة: أن المرأة النابلسية القوية ليست حالة استثنائية، بل هي نموذج سائد في المجتمع النابلسي.

لكن هنا يأتي الجدل الأكبر والأكثر إثارة للغضب: يشكك حجاوي في رواية فدوى طوقان عن أبيها.

نقطة الخلاف الحقيقية: من يملك الحقيقة؟

هذه النقطة استحقت الرد الحاد والقوي من البعض. لماذا؟ لأن حجاوي يقول في الأساس: "أنا لا أصدق ما تقوله فدوى، أصدق بدلاً من ذلك ما تقوله النسوة القديمات في نابلس".

هناك عدة مشاكل في هذا المنطق:

أولاً: من يملك صلاحية تقرير الحقيقة؟ هل هو فدوى التي عاشت التجربة، أم النسوة اللواتي قد يملكن معلومات غير مكتملة؟

ثانياً: حجاوي لا يقدم دليلاً واحداً على ادعاءاته. يقول "النسوة يقلن..." لكن لا يشرح لماذا يستحق هذا القول الأسبقية على شهادة فدوى نفسها.

ثالثاً: هناك افتراض خطير هنا - أنه لأن فدوى امرأة قوية، فبالتالي قصتها عن قهر أبيها قد تكون مبالغة. هذا منطق معيب - المرأة القوية اليوم قد تكون كانت مقهورة في الماضي. والقوة لا تنفي التعرض للظلم.


الجزء الثالث: السياق التاريخي والنقد الاجتماعي

نابلس والسياسة: من يمتلك الرواية؟

عندما رد طريف عاشور على حجاوي، أحضر أرقاماً: 54 شخصية نابلسية في مؤتمر 1928، 39 في مؤتمر 1929، وزراء ومحافظون وأسرى. اشتية نفسه أحضر أرقام المؤتمرات والمشاركات السياسية.

هنا نقع في فخ آخر من الفخاخ: من الذي يحدد ماذا تعني "السياسة"؟

حجاوي يقول إن النابلسي لم يدخل عالم السياسة إلا متأخراً. رده العاشور بالأرقام والمؤتمرات. لكن كلاهما قد يكون محقاً في نفس الوقت.

لماذا؟ لأن المشاركة في مؤتمرات ليست نفس الشيء مثل التحكم في مجريات السياسة. نابلس قد تكون أنتجت أرقاماً في السياسة، لكن القيادة السياسية الحقيقية كانت في القدس بشكل أساسي، وفي الخليل وغزة.

الأرقام لا تحكي القصة كاملة. قد يكون هناك 54 نابلسياً في مؤتمر ما، لكن من الذي كان يقود النقاشات؟ من الذي كانت تُتخذ قراراته؟ هذه أسئلة مختلفة.

الاقتصاد والعمل: تحقير أم توثيق؟

ربما أكثر رد كان حاداً على حجاوي هو ما كتبه طريف عاشور عن الصابون النابلسي والعامل الذي يحمل القصعة.

قال عاشور: "العامل الذي يحمل القصعة... هو من يؤمن لك الصابون الذي تغسل به يديك".

هذا رد عاطفي وقوي جداً. لكن هنا السؤال: هل كان حجاوي يحقر العامل، أم كان يصف الواقع التاريخي؟

النص الأصلي يقول: "عامل يحمل على كتفه قصعة يترجرج فيها سائل يغلي وتنبعث منه رائحة مؤذية".

هذا وصف حقيقي لعملية صناعة الصابون. السائل يغلي فعلاً، والرائحة مؤذية فعلاً. لا يكون حجاوي يتحدث عن هذا بسخرية أو تحقير، بل بصدق واقعي.

الفرق بين التوثيق الواقعي والتحقير هو نية المتحدث. وحجاوي - كما يعرفه من يقرأ له - ليس من نوع الكتاب الذين يكتبون بنية التحقير. فهو يتحدث عن الإنسانية والواقع الاجتماعي بكل براءته.


الجزء الرابع: فن الدفاع والنقد البناء

دفاع وليد نصار: الإنصاف والمعرفة الشخصية

وليد نصار في دفاعه عن حجاوي قال شيئاً مهماً جداً: "من هاجمه قرأ المقال كاملاً أم لا يطيق؟"

هذا سؤال عادل تماماً. والإجابة الصريحة هي: معظم من هاجموا المقال لم يقرأه كاملاً. انطلقوا من السطر الأول، غضبوا، وبدأوا يكتبون ردودهم دون أن يعطوا أنفسهم عناء القراءة الكاملة.

هذا ليس نقد حجاوي - هذا انتقاد لنا نحن، كمجتمع قارئ. نحن أصبحنا مجتمع ردود أفعال، لا مجتمع فكر.

نصار أضاف شيئاً آخر مهماً: قرّر أنه سيسمي مكاناً علمياً باسم عارف حجاوي، وأن ينسخ اسمه على مكتبته، ليتذكره الأجيال القادمة. هذا هو نوع الدفاع الحقيقي - ليس بالجدل والنقاش، بل بالتكريم والاحترام.

دفاع نجوى الحمدان: نقد الثقافة الاجتماعية

نجوى الحمدان لم تدافع عن كل ما كتبه حجاوي. بدلاً من ذلك، انتقدت الطريقة التي نرد بها:

"يقرأ البعض أول سطر ويبدأ بالشتم... هذا إن قرأ أصلاً.. عيب جداً ما يجري بحق إنسان أكبر من بعض المعلقين بثلاثين عاماً".

هذا نقد اجتماعي عميق. نحن قررنا أن ننسى - كمجتمع - كيفية الاختلاف مع احترام. قررنا أن الخلاف يعني الهجوم الشخصي والسباب. نسينا أن هناك فرق بين نقد الفكرة ونقد صاحبها.


الجزء الخامس: نابلس الحقيقية - بين الحقائق والأوهام

من هم النابلسيون فعلاً؟

ربما أفضل طريقة لفهم هذا الجدل كله هي أن نسأل: من هم النابلسيون بالفعل؟

حجاوي يقول إنهم مزارعون وتجار وحرفيون وعمال - أناس عاديون يعيشون حياة عادية.

اشتية وعاشور يقول إنهم سياسيون ومناضلون، أصحاب تأثير وحضور في الساحة الفلسطينية.

الحقيقة؟ كلاهما محق.

النابلسيون هم كل هؤلاء في نفس الوقت. هم المزارع الذي يعيش من محصول أرضه، والتاجر الذي ينقل البضائع من القرى للمدينة، والعامل الذي يصنع الصابون بيديه. وفي نفس الوقت، هم السياسيون والمناضلون والمؤثرون.

المشكلة أن لدينا ميل نفسي لاختيار صورة واحدة وتجاهل الأخرى. نابلس في الصور النمطية إما مدينة الصابون والكنافة، أو مدينة المناضلين والساسة. نادراً ما نقبل أن تكون الاثنين معاً.

الذاكرة والحقيقة والسرد

هناك قضية فلسفية عميقة هنا: من يملك سلطة السرد؟

عندما تقول النسوة القديمات في نابلس شيئاً عن فدوى طوقان، هل هذا "تاريخ"؟ أم هو مجرد "شائعات"؟

عندما تكتب فدوى طوقان سيرتها الذاتية وتخبر عن أبيها بطريقة معينة، هل هذا "حقيقة مطلقة"؟ أم هو "روايتها الشخصية"؟

الحقيقة الفلسفية هي أن السرد التاريخي دائماً متنازع عليه. لا توجد "حقيقة واحدة" عن أي حدث تاريخي. هناك روايات متعددة، وسلطات سرد متعددة، وكل واحدة لها صحتها النسبية.

حجاوي عندما قال "أصدق كلام النسوة" بدلاً من كلام فدوى، كان يختار سلطة سرد ضد أخرى. هذا خياره، لكن يجب أن يعترف بأنه خيار وليس حقيقة مطلقة.


الجزء السادس: الدروس المستفادة والطريق إلى الأمام

الدرس الأول: القراءة المسؤولة

أول درس نتعلمه من هذا الجدل كله هو ضرورة القراءة الكاملة والمسؤولة.

قبل أن نهاجم أو نوافق على كتاب، يجب أن نقرأ العمل كاملاً. يجب أن نفهم السياق والنية. يجب أن نحاول أن نفهم ما الذي يحاول الكاتب أن يقوله فعلاً، وليس ما نظن أنه يقوله.

الدرس الثاني: التمييز بين النقد والهجوم الشخصي

في عالم اليوم، فقدنا القدرة على النقد البناء. قررنا أن الاختلاف يعني الحرب. والحرب تعني الهجوم الشخصي والسباب.

يمكننا أن نختلف مع حجاوي في بعض اختياراته الكتابية. يمكننا أن نقول: "البداية كانت سيئة من الناحية الاستراتيجية"، أو "تشكيكك في فدوى طوقان يفتقر إلى الدليل". لكن هذا لا يعني أننا نهاجم شخصه أو نشكك في نواياه.

الدرس الثالث: قبول التعقيد والتناقض

نابلس ليست مدينة واحدة. هي مدينة متعددة الأبعاد:

  • مدينة اقتصادية بتراث حرفي عميق
  • مدينة سياسية لعبت دوراً (حتى لو كانت "ثانية أو ثالثة")
  • مدينة اجتماعية بثقافة قوية وعميقة
  • مدينة نسائية حيث النساء يملكن صوتاً وتأثيراً
  • مدينة متنوعة بأسرار وخصوصيات تماماً مثل أي مدينة أخرى

قبول كل هذا التعقيد والتناقض هو الطريقة الوحيدة لفهم نابلس الحقيقية.

الدرس الرابع: الدفاع عن الإنسان قبل الفكرة

واحدة من أجمل ردود على المقال جاءت من وليد نصار، الذي اختار أن يدافع عن الإنسان - عارف حجاوي - بدلاً من أن يدافع عن كل ما كتبه.

قال نصار في الأساس: "أنا أعرف هذا الرجل، وأعرف أنه إنسان كريم وحب لبلده. قد لا أتفق مع كل ما يكتبه، لكن سأدافع عن إنسانيته".

هذا درس مهم: قبل أن نحكم على شخص، يجب أن نعرفه. وقبل أن نهاجمه، يجب أن نسأل أنفسنا: هل نعرف حقاً ما في قلبه ونيته؟


الجزء السابع: نابلس والهوية - سؤال أكبر

السؤال الحقيقي

في نهاية هذا الجدل كله، نصل إلى سؤال أكبر وأعمق: من نحن فعلاً؟ وهل نعرف أنفسنا؟

مقال حجاوي، بكل نقاط ضعفه وقوته، كان محاولة للإجابة على هذا السؤال. كان يقول: "دعوا نتحدث عن الإنسان النابلسي كما هو، لا كما نريده أن يكون".

الرد عليه من قبل آخرين كان قوياً أيضاً: "لا، نابلسي ليس ما تقول، نابلسي هو أقوى وأكبر من ذلك".

لكن السؤال الذي يجب أن نسأله أنفسنا هو: هل نستطيع أن نقبل كلا الإجابتين في نفس الوقت؟

الجواب المحتمل

نعم، نحن نستطيع. النابلسي - مثل أي إنسان - معقد. هو عاملي وسياسي، عادي وبطل، صادق ومثير للجدل أحياناً، قوي وضعيف في نفس الوقت.

وهذا ما يجعله إنساناً حقيقياً. لا نماذج منمقة، لا صور نمطية - بشر حقيقيون مع كل تعقيداتهم وتناقضاتهم.


الخاتمة: نحو فهم أعمق لأنفسنا

ما الذي تعلمناه من كل هذا؟

أولاً: أن الجدل نفسه قيم. من الجيد أن نختلف. من الجيد أن نتحاور. هذا ما يجعلنا أحياء فكرياً.

ثانياً: أن كيفية الجدل مهمة مثل مضمون الجدل. يمكننا أن نختلف بأدب واحترام. يمكننا أن ننقد الفكرة دون أن نسيء للشخص.

ثالثاً: أن الحقيقة المطلقة هي وهم. كل واحد منا يمتلك جزءاً من الحقيقة، ورؤية معينة بناءً على خبرته وموقعه الاجتماعي والتاريخي.

رابعاً: أن نابلس حقيقية في كل صورها - في الصابون والكنافة، في السياسة والنضال، في البساتين والمدينة، في الرجال القويين والنساء الأقوى.

دعوة للحوار البناء

بدلاً من إنهاء هذا الجدل بفائز وخاسر، دعونا نقبل أن نستفيد من كل الأصوات التي تحدثت:

  • من حجاوي، نتعلم الجرأة في الحديث عن الحقائق الصعبة
  • من رادي اشتية وعاشور، نتعلم أهمية الأرقام والتفاصيل التاريخية
  • من نصار والحمدان، نتعلم الدفاع عن الإنسانية والاحترام المتبادل

كل هؤلاء يساهمون في صورة أكمل وأعمق عن نابلس وهويتها.

نابلس التي نستحقها

نابلس التي تستحقها - وهي مدينة حقيقية - ليست مدينة أحادية البعد. هي لا تحتاج إلى أن نختار بين أن تكون "مدينة اقتصاد وحرفة" أو "مدينة سياسة ونضال".

هي يمكن أن تكون الاثنين، والثلاثة، والعشرة معاً. كما يمكن للإنسان الواحد أن يكون اقتصادياً وسياسياً، عاملاً وفكراً، ضعيفاً وقوياً في نفس الوقت.

الهوية الحقيقية تبنى على القبول بهذا التعقيد، لا على إنكاره أو تجاهله.


خاتمة نهائية: شكر وتقدير

أخيراً، بغض النظر عن كل الاختلافات والانقسامات، يجب أن نشكر عارف حجاوي على أنه أجرأ على أن يثير هذا الحوار. وشكراً لكل من ردّوا عليه برويّة وفكر. لأن هذا الحوار - بكل ما فيه من حدة وخلاف - هو ما يبقينا أحياء فكرياً.

نابلس لن تموت، ولن تُنسى، طالما لدينا الناس الذين يتحاورون ويختلفون حول من هي نابلس فعلاً. هذا الاختلاف نفسه هو شكل من أشكال الحب والاهتمام.