عادت "أم القنابل " الأمريكية إلى الواجهة، بعد تلويح الرئيس دونالد ترمب منتصف أكتوبر/تشرين الأول الجاري بإمكانية استخدامها في الحرب على إيران، ضمن خيارات يدرسها الجيش الأمريكي.
ولم تستخدم تلك القنبلة التي طُوّرت عام 2003، وتحمل الاسم العسكري "جي بي يو-43/بي، موب" سوى مرة واحدة فقط في 13 أبريل/نيسان 2017 عندما استخدمتها الولايات المتحدة في منطقة أتشين في أفغانستان، لتحدث انفجارا استثنائيا، سافرت بصمته الصوتية نحو 249 كيلومترا، ليتمكن باحثون من رصد تلك البصمة داخل باكستان، واستخدامها في تقدير القوة التفجيرية للقنبلة.
ويبلغ طول هذه القنبلة نحو 9.1 أمتار، وصُمّمت لتلقى من طائرة نقل عسكرية من طراز "سي-130" وتستخدم نظام تحديد المواقع العالمي إلى جانب نظام ملاحة بالقصور الذاتي لتوجيهها نحو الهدف.
و"أم القنابل" على خلاف القنابل المصممة لاختراق التحصينات العميقة، تنفجر في الهواء، قبل أن تصل إلى سطح الأرض، بما يؤدي إلى انتشار طاقة الانفجار وموجة الضغط في الهواء المحيط، وبالتالي يحدث توزيع لآثار الانفجار على مساحة أوسع بدلا من تركيزها في نقطة اصطدام واحدة.
والمفارقة التي كشفت عنها الدراسة -التي أجراها باحثون من المركز الوطني للفيزياء في إسلام آباد، ونُشرت في دورية "جورنال أوف ذي أكوستيكال سوسايتي أوف أَمريكا"- أن الانفجار الذي أحدثته "أم القنابل " في منطقة أتشين في أفغانستان لم يترك أثره في موقع التفجير وحده، فقد أطلق موجات ضغط انتشرت عبر الغلاف الجوي، حاملة معها بصمة صوتية مكنت الباحثين داخل باكستان على بُعد نحو 249 كيلومترا من تقدير قوة الانفجار بنحو 14 طنا من مادة "تي إن تي".
السر في "الموجات تحت الصوتية"
والمعروف أن الانفجارات لا تنتج صوتا واحدا، بل تطلق موجات تختلف في تردداتها وخصائصها، وبعض هذه الموجات يقع ضمن النطاق الذي تستطيع الأذن البشرية سماعه، بينما ينخفض تردد بعضها الآخر إلى أقل من 20 هرتز، وهو ما يُعرف باسم "الموجات تحت الصوتية " التي لا تستطيع الأذن البشرية سماعها في الظروف المعتادة، لكنها تظل قابلة للرصد باستخدام أجهزة متخصصة.
وعندما تنفجر قنبلة تتمدد الغازات الساخنة بسرعة هائلة، وتدفع الهواء المحيط بها، مولدة تغيرات في الضغط تنتشر بعيدا عن مصدر الانفجار، ويمكن لهذه الموجات، بحسب الظروف الجوية، قطع مسافات طويلة، حتى عندما لا يصبح الانفجار مسموعا للإنسان، وهذه هي الفكرة التي استند إليها الباحثون، فما لا تسمعه الأذن قد تتمكن أجهزة القياس من رصده وتحليله.
واعتمد الباحثون في دراستهم على محطة رصد زلزالي وصوتي في باكستان توجد على بُعد نحو 249 كيلومترا من موقع التفجير، وقاموا بمراجعة المعلومات التي سجلتها المحطة وأثبتوا وصول الموجة تحت الصوتية، وحللوا خصائصها الفيزيائية لمعرفة ما الذي يمكن أن تكشفه عن الانفجار الذي أنتجها.
ماذا تقول قيمة "0.1717" باسكال؟
ووفق الدراسة، فإنه عندما حلل الباحثون الإشارة المسجلة، وجدوا أن متوسط سعة الضغط بلغ "0.1717" باسكال، وهو رقم يبدو صغيرا للغاية، إذا علمنا أن الضغط الجوي المعتاد قرب سطح البحر نحو 101 ألف باسكال. لكنه مع ذلك، يعبر عن تغير في الضغط الجوي يمكن لأجهزة حساسة قياسه، حتى لو لم تستطع الأذن البشرية إدراكه مباشرة.
ويفرق الباحثون بين الضغط المسجل في باكستان، وذلك الذي نشأ بالقرب من هذه القنبلة، فالموجة تتغير أثناء انتقالها، وقد تتأثر بالرياح ودرجات الحرارة وتوزيع طبقات الهواء. لذلك، فإنه لكي تُستخدم في مكان بعيد عن الانفجار لحساب القوة التفجيرية، فلا بد من إدخالها في تحليل يأخذ ظروف الانتشار في الحسبان.
كيف قدروا القوة التفجيرية؟
ويوضح الدكتور عبد الناصر توفيق، أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة الأهرام الكندية في القاهرة والأستاذ الزائر بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة -للجزيرة نت- أن "الفكرة تشبه إلقاء حجر في بركة ماء، إذ تتشكل حينها تموجات قوية قرب نقطة سقوطه، ثم تنتشر في دوائر متسعة وتضعف تدريجيا كلما ابتعدت عن مصدرها. وبطريقة مشابهة، تنتشر الموجات تحت الصوتية الناتجة عن الانفجار عبر الغلاف الجوي، فتصل إلى محطات الرصد البعيدة بإشارة أضعف مما كانت عليه بالقرب من مصدرها".
ويقول إن "هناك علاقة تربط فترة الموجة تحت الصوتية أو زمن تكرار ذروتها بقوة الانفجار التي تتناسب طرديا مع القوة الثالثة لفترة الموجة (مكعب فترة الموجة) وأيضا يمكن ربط سعة الموجة المقاسة والمسافة من المصدر مع قوة الانفجار، ومن خلال دمج هاتين العلاقتين يمكننا تحديد قوة وموقع الانفجار الذي أحدث الموجة تحت الصوتية بدقة عالية".
ويضيف أن "دقة القياس، وبالتالي حساب القوة، تعتمد على مجموعة من العوامل منها التمدد الهندسي للموجة والامتصاص الجوي وتأثير الرياح والانعكاسات والانكسارات في طبقات الغلاف الجوي".
وبتطبيق هذه المنهجية على الموجات الناتجة عن انفجار قنبلة "أم القنابل" الأمريكية في أفغانستان عام 2017، توصل الباحثون إلى تقدير للقوة التفجيرية يعادل نحو 14 طنا من مادة "تي إن تي".
وعن الأهمية العلمية لهذه الدراسة وتطبيقاتها، يوضح عبد الناصر أنها تثبت إمكانية استخدام الموجات تحت الصوتية في مراقبة الانفجارات والأحداث الجوية، كما أنها تكتسب أهمية خاصة في الحالات التي يصعب فيها الوصول إلى موقع الانفجار أو إجراء قياسات مباشرة بالقرب منه.