لطالما اعتمدت الوقاية من أمراض اللثة على تقليل البكتيريا والقضاء على الأنواع الضارة، لكن دراسة جديدة تطرح فكرة مختلفة تماماً: ماذا لو أمكن التأثير في سلوك البكتيريا بدلاً من قتلها؟
ويشير بحث نُشر عام 2025 في دورية "NPJ Biofilms and Microbiomes" إلى أن تعطيل الإشارات الكيميائية التي تستخدمها بكتيريا الفم للتواصل مع بعضها قد يغير تركيبة لويحة الأسنان، ويدفعها نحو مجتمع ميكروبي يرتبط بصحة أفضل للفم
الفم.. موطن مئات الأنواع من البكتيريا
يضم الفم نحو 700 نوع من البكتيريا، ولا تعيش هذه الكائنات بصورة منفصلة، بل تتبادل إشارات كيميائية تساعدها على تنسيق سلوكها.
وتُعرف إحدى آليات هذا التواصل باسم "استشعار النصاب"، وهي عملية تتيح للبكتيريا رصد وجود الأنواع الأخرى وتنظيم نشاطها وفقاً لذلك.
ومن بين الإشارات التي تهم الباحثين جزيئات تُعرف باسم لاكتونات هوموسيرين الأسيلية (AHLs). ولذلك درس فريق من الباحثين في كليتي العلوم البيولوجية وطب الأسنان كيف تؤثر هذه الإشارات في تطور لويحة الأسنان، وما إذا كان تعطيلها يمكن أن يغير توازن الميكروبات داخل الفم.
رسائل كيميائية تعبر خط اللثة
وجد الباحثون أن البكتيريا الموجودة في لويحة الأسنان تنتج إشارات AHL في البيئات التي يتوافر فيها الأكسجين، مثل المنطقة الواقعة فوق خط اللثة. لكن البكتيريا الموجودة في المناطق الأقل أكسجيناً تحت خط اللثة تستطيع أيضاً التقاط هذه الإشارات.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأن المنطقة الواقعة تحت خط اللثة توفر ظروفاً قد تساعد على ازدهار أنواع بكتيرية مرتبطة بأمراض اللثة.
ولمعرفة ما يحدث عند قطع هذا التواصل، استخدم الباحثون إنزيمات تُعرف باسم "لاكتوناز"، تعمل على تفكيك جزيئات AHL وتعطيل الإشارات الكيميائية بين البكتيريا. وعندما حُجبت هذه الإشارات، تغيرت تركيبة مجتمع اللويحة باتجاه أنواع ترتبط بصورة أكبر بصحة الفم.
لويحة الأسنان تشبه نظاماً بيئياً
لا تتشكل لويحة الأسنان دفعة واحدة، بل تتطور تدريجياً، على غرار أي نظام بيئي يتغير مع مرور الوقت. ففي المراحل المبكرة تستوطنها أنواع مثل العقديات والشعيات، وهي بكتيريا ترتبط غالباً بصحة الفم.
ومع تطور اللويحة، يمكن أن تظهر أنواع أكثر تنوعاً، بما فيها ما يُعرف بـ"المعقد الأحمر"، الذي يضم بكتيريا مثل Porphyromonas gingivalis المرتبطة بأمراض اللثة.
ويرى الباحثون أن تعطيل الإشارات الكيميائية قد يتيح مستقبلاً إبقاء اللويحة في مرحلة مبكرة ترتبط بصحة أفضل، بدلاً من محاولة القضاء على المجتمع الميكروبي بأكمله.
الأكسجين يغير النتيجة
لكن المفاجأة الأبرز أن تأثير هذه الإشارات لم يكن واحداً في جميع مناطق الفم، بل اختلف باختلاف مستوى الأكسجين.
فعندما عطّل الباحثون إشارات AHL في ظروف هوائية، زادت البكتيريا المرتبطة بصحة الفم. أما في الظروف اللاهوائية، فقد أدى وجود هذه الإشارات إلى تشجيع نمو أنواع أكثر ارتباطاً بالمراحل المتأخرة من تكوّن اللويحة والأمراض.
وهذا يشير إلى أن الإشارة الكيميائية نفسها قد يكون لها تأثير مختلف تماماً بحسب موقعها داخل الفم والظروف البيئية المحيطة بالبكتيريا.
هل تصبح الوقاية من أمراض اللثة أكثر ذكاءً؟
يريد الباحثون الآن معرفة كيف يختلف التواصل بين بكتيريا الفم من منطقة إلى أخرى، وكيف يتغير لدى الأشخاص المصابين بمراحل مختلفة من التهاب دواعم السن.
والهدف على المدى البعيد ليس ابتكار مطهر أقوى يقتل أكبر عدد ممكن من البكتيريا، وإنما تطوير وسائل أكثر دقة لتوجيه المجتمع الميكروبي نحو التوازن الصحي.
باب جديد في علاج أمراض اللثة
وقد يفتح هذا النهج باباً جديداً في علاج أمراض اللثة، يقوم على تعديل سلوك الميكروبات بدلاً من شن حرب شاملة عليها. كما قد تكون للفكرة تطبيقات أوسع مستقبلاً، إذ يرتبط اختلال توازن الميكروبيوم بعدد من المشكلات الصحية في أماكن أخرى من الجسم.
لكن النتائج الحالية ما زالت بحثية، ولا تعني أن إنزيمات "لاكتوناز" أصبحت علاجاً متاحاً لأمراض اللثة.