النظام الرأسمالي وتأثيره على الصحة النفسية: دراسات تكشف الآليات المخفية
يعيد النظام الرأسمالي تشكيل إدراك البشر لذواتهم والعالم، وصياغة صحتهم النفسية والعقلية بلغة الحسابات والأرقام. تتحول الرغبة المحمومة في الوصول والتطور إلى فخ يقع فيه الكثيرون، دون إدراك العلاقة الوثيقة بين الإنتاجية المستمرة وارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، فيصير الكثيرون مجرد "رقم" ينتج "رقماً" وسط حالة من عدم الشعور بالكفاية أو الارتياح.
أفخاخ غير مرئية تؤثر على الصحة العقلية
الرسائل اليومية المحفزة مثل "استثمر في نفسك" و"طور ذاتك" و"يمكنك البدء دوماً من جديد" تبدو مغرية بمزيد من التعلم والركض من أجل حياة أفضل، لكنها تتحول إلى فخ يؤثر على الصحة العقلية من خلال مسارات غير مرئية، وفقاً لدراسة بعنوان "الأزمة التي لا نسميها: سيكولوجية الرأسمالية" للباحث في علم النفس الاجتماعي والثقافي كريم بتاش من جامعة هونغ كونغ الصينية.
تتضمن أبرز هذه الأفخاخ:
- فخ الريادة: تتحول النفس إلى سلعة وتتحول الرغبة في التعلم إلى ما توصفه الدراسة بـ"متلازمة أولوية الربح"، حيث تصبح النفس علامة تجارية يجب تحسينها وتطويرها باستمرار للبقاء في سوق العمل، مع شعور متواصل بالضغط يتسبب في مستويات مرتفعة من التوتر والقلق والاحتراق النفسي، وتتحول أي لحظة توقف إلى خسارة استثمارية.
- فخ "العائد من العلاقات الإنسانية": يعتبره بتاش أخطر المسارات غير المرئية لسيطرة الرأسمالية على عقول البشر. تنتقل لغة الاستثمار والتحسين من المكاتب إلى غرف النوم والحياة الشخصية، فيبدأ الناس الاستثمار في العلاقات بدلاً من عيشها وحساب "العائد" من الصداقات واعتبار الالتزامات العائلية واحتياجات المحيطين أعباءً تعيق التقدم، ما أدى إلى تآكل الروابط وتحول العلاقات إلى نماذج نفعية هشة وانتشار وباء العزلة الاجتماعية.
- فخ "المنافسة الصفرية": متلازمة تجعل الكل ضد الكل، فالآخر ليس إلا تهديداً، وتميزه يعني مزيداً من الخطر. يولد بيئة عدائية يرتبط بها تآكل التعاطف وزيادة مخاطر المشاكل النفسية لأنه يربط الرفاهية والنجاح بالتفوق على الآخرين وليس التعاون معهم.
- خصخصة المعاناة: تحولت المشاكل الناتجة عن النظام الاقتصادي إلى "عيوب شخصية" تتطلب تدخلات "رأسمالية" أيضاً. يتم التطبيع مع الاضطرابات مثل القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي، وإيهام المصابين بأن الحل ربما في تطبيق التأمل أو دفع المال لقاء دورات مرونة نفسية أو إدارة وقت. بدلاً من أن يظهر القلق كاستجابة عقلانية لنظام مختل، يتم التعامل معه كفشل فردي في تطوير الذات مما يعمق الشعور بالذنب والدونية.
- فخ "الهوية التملكية": تلك التي تربط قيمة الإنسان بقدر ما يملكه وما يستطيع عرضه من نجاحات كمرادف للتحقق الذاتي. لكن الدراسات تؤكد أن من يضعون النجاح المادي كأولوية قصوى يسجلون مستويات أعلى من الاكتئاب وانخفاض الرضا عن الحياة.
هل هي أمراض نفسية أم أعراض جانبية للنظام؟
في دراسة بعنوان "الاقتصاد السياسي لنظام الصحة النفسية" نشرت عام 2022 في مجلة "فرونتيرز" في علم الاجتماع، تفترض أستاذة الطب النفسي جوانا مونكريف أن نظام الصحة النفسية القائم حالياً على التشخيص ومن ثم العلاج وتناول الأدوية ليس محايداً كلياً، بل مرتبط بالنظام الرأسمالي ويخدمه بشكل أو بآخر.
هاجمت الدراسة الفكرة الشائعة التي تربط الاكتئاب والقلق بالاختلال البيولوجي في الدماغ دائماً، وأشارت إلى أن كثيراً من المشاكل النفسية ناتجة عن ظروف الحياة وأبرزها ضغط العمل والفقر والشعور بعدم الاستقرار والمنافسة، وهو ما يرتبط عادة بتشخيصات طبية مثل الاكتئاب والقلق والاحتراق النفسي.
اعتبرت مونكريف أن انتشار ما أسمته بـ"ثقافة الخوف واللوم" في العمل، مع تزايد المهام والمراقبة المستمرة للأداء قضى على الشعور بالأمان داخل بيئات العمل، ما تسبب في احتراق نفسي وتدهور للروح المعنوية، في الوقت الذي يُطلب فيه من العمال أن يكونوا أكثر مرونة وكفاءة وانصياعاً للأوامر بشكل مستمر.
تؤكد مونكريف عبر دراستها أن النظام الرأسمالي الذي ترتبط بعض ممارساته بالمعاناة هو ذاته الذي يحول المعاناة في كثير من الأحيان إلى ما أسمته "خداع المرض"، بحيث تصبح المشكلة "فردية" وليست "مجتمعية"، ويتم التوسع في تحويل مشاعر الحزن أو عدم الرضا إلى "اضطرابات كيميائية" تحتاج لعلاج دوائي، ما يسهل استقرار النظام بدلاً من تغييره وعزل الفرد عن سياقه الاجتماعي.
لا تقول مونكريف إن كل التشخيصات بالأمراض النفسية خداع ولا إن الأدوية عموماً مجرد أداة رأسمالية، لكنها تشير إلى شكل من أشكال سوء الاستخدام والتوسع في تفسير المعاناة كاضطرابات بيولوجية فقط، الأمر الذي يسهل وصف الكثير من المعاناة باعتبارها "أمراضاً رأسمالية".
طرق للخروج من الدائرة المفرغة
لا يوجد حل سحري لتقليل التأثيرات النفسية للنظام الاقتصادي العالمي، لكن ثمة طرقاً تقلل من تأثيره النفسي بشكل واقعي ومبني على فهم المشكلة:
- إعادة تسمية المعاناة والتعامل مع المشاكل التي يسببها النظام الاقتصادي باعتبارها "استجابة" وليس "مرضاً" أو عطلاً في كيمياء الدماغ.
- بناء روابط اجتماعية قوية ومنحها الأولوية على ما سواها وتعزيز الثقة المتبادلة والتعاطف، فهذه الروابط ترياق طبيعي للقلق والاكتئاب الناتج عن العزلة الرأسمالية.
- تخصيص مساحات لأنشطة ذات قيمة جوهرية مثل الإبداع أو الأعمال التطوعية والخيرية غير الهادفة للربح.
- تقليل الارتباط بين القيمة الذاتية والمقتنيات المادية، والتركيز بدلاً من ذلك على أهداف أعمق مثل الروابط النفسية العميقة وتكوين علاقات عائلية أقوى.
- البحث عن بيئات عمل تدعم سياسات مثل الرعاية الصحية الشاملة والتوظيف المستقر والسكن الميسر لأنها تمنح الأفراد القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على الرفاهية بدلاً من "البقاء اليائس".
- تطهير اللغة الشخصية من مصطلحات السوق والتوقف عن رؤية الذات كعلامة تجارية أو التفكير بمنطق العائد والاستثمار في العلاقات، واستخدام لغة إنسانية لوصف الحياة.
- إدراك أن "الفشل" ليس هزيمة شخصية وأن الإرادة ليست ضماناً للنتائج القوية.
- التعامل مع مشاعر الحزن والإحباط وعدم الرضا كدافع لفهم الواقع بشكل أعمق وليس كمرض نفسي ذاتي يحتاج لعلاج دائماً.