على مدار نحو عامين، يجري الترويج لوكلاء الذكاء الاصطناعي باعتبارهم الخطوة الكبرى التالية في عالم الحوسبة. لكن هذه التقنية بدأت الآن تتحول سريعًا من مجرد فكرة مستقبلية إلى أدوات يمكن للمستخدمين تجربتها بالفعل.
تمتلك "ميتا" وكيلها الشخصي ميوز، القادر على تصفح الويب وحجز المواعيد وملء النماذج وتنفيذ مهام عبر الخدمات المتصلة.
كما تعمل "OpenAI" على توسيع بنيتها التحتية للوكلاء من خلال Dots، بينما تضع شركات ناشئة مثل "Instinct AI" وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل واجهات مألوفة مثل "واتساب" و"iMessage".
وكان هذا التطور السريع واضحًا بشكل خاص خلال قمة Snapdragon، حيث عرضت شركات مختلفة وكلاء أصبحوا أكثر قدرة على التصرف نيابة عن المستخدم، في الوقت الذي قدمت فيه "كوالكوم" حجة أخرى لا تقل أهمية: العتاد الذي تعتمد عليه هذه الوكلاء أصبح أخيرًا قادرًا على مواكبة التطور، بحسب تقرير نشره موقع "digitaltrends" واطلعت عليه "العربية Business".
وبعد جلسة مغلقة مع كيدار كونداب، نائب الرئيس الأول والمدير العام لقطاع الحوسبة والألعاب في "كوالكوم"، بدا أن السؤال الأكبر لم يعد ما إذا كانت أجهزة Snapdragon قادرة على تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي، لأنها أصبحت قادرة على ذلك بدرجة متزايدة.
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحدث عندما تصبح هذه الوكلاء مفيدة فعلًا، ومن الذي سيقرر شكل هذه التجربة؟
بناء العقل ليس سوى نصف المهمة
أسهل طريقة لفهم الفرق بين روبوت الدردشة والوكيل الذكي هي النظر إلى ما يحدث بعد تقديم الإجابة.
روبوت الدردشة يمكنه إخبارك مثلًا بأن رحلتك الجوية تأخرت، بينما يستطيع الوكيل متابعة الرحلة، واكتشاف إلغائها، والتحقق من حالة الطقس، والبحث عن بدائل، ثم طلب إذنك قبل إعادة الحجز.
وخلال قمة Snapdragon، حدثت تجربة عملية توضح هذا الفرق، بالتزامن مع تعرض هاواي لإعصار "نولو" واضطرابات واسعة في الرحلات الجوية.
وقال: "كنت قد استخدمت وكيلًا للذكاء الاصطناعي لمتابعة الوضع وتنبيهي، بينما ذهب بعض زملائي إلى أبعد من ذلك، فاستخدموا وكلاء للمساعدة في إعادة حجز الرحلات وإتمام إجراءات تسجيل الوصول".
لم يكن الأمر مجرد عرض مستقبلي من "كوالكوم"، بل كان مثالًا واقعيًا على السرعة التي ينتقل بها وكلاء الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية مثيرة للاهتمام إلى أدوات يمكن استخدامها فعلًا عندما تظهر مشكلة تحتاج إلى حل.
لكن هناك مشكلة مهمة: "كوالكوم" لا تستطيع ببساطة أن تقرر وحدها شكل هذا الوكيل.
"كوالكوم" تبني العقول.. لكن الآخرين يصنعون التجربة
تستطيع "كوالكوم" بناء العقل الذي يعتمد عليه الوكيل، بما يشمل وحدة المعالجة العصبية NPU، ووحدة المعالجة المركزية CPU، ومعالج الرسوميات GPU، وبنية الذاكرة، وبيئات تشغيل الذكاء الاصطناعي، وجميع أدوات المطورين اللازمة لتشغيل هذه المنظومة بكفاءة.
كما يمكنها توفير الأجهزة المرجعية وواجهات برمجة التطبيقات والأدوات والوثائق للمطورين قبل وقت طويل من وصول التقنية إلى أجهزة المستهلكين.
لكن كل هذه الشرائح تحتاج في النهاية إلى جهة تحولها إلى تجربة يرغب الناس فعلًا في استخدامها.
فما إذا كان الوكيل سيعيش داخل ويندوز أو أندرويد، أو ضمن برمجيات الشركة المصنعة للهاتف أو الحاسوب، أو داخل تطبيق مراسلة مألوف، يعتمد في النهاية على "مايكروسوفت" أو "غوغل" وشركاء كوالكوم والمطورين.
وهذه هي الحقيقة المعقدة قليلًا لعصر أجهزة الكمبيوتر المدعومة بالذكاء الاصطناعي: "كوالكوم" يمكنها بناء المدرج، لكن شخصًا آخر لا يزال بحاجة إلى بناء الطائرة.
وربما يفسر ذلك أحد أكبر الأسئلة المطروحة حاليًا حول الذكاء الاصطناعي الوكيلي: كيف يستطيع المستخدم العادي تشغيل وكيل من الأساس؟
المشكلة ليست الذكاء فقط.. بل الواجهة أيضًا
أصبحنا جيدين نسبيًا في التعامل مع روبوتات الدردشة. تفتح تشات جي بي تي أو جيميناي أو أي مساعد آخر، تكتب سؤالًا، تحصل على إجابة، ثم تواصل حياتك. النموذج الذهني هنا بسيط للغاية.
لكن وكلاء الذكاء الاصطناعي يطلبون منا التخلي عن هذه البساطة. فالوكيل يحتاج إلى هدف، وإمكانية الوصول إلى الأدوات، وفهم للسياق، والأهم من ذلك إذن فعلي للتصرف نيابة عن المستخدم.
وهنا يظهر سؤال محرج قليلًا: كيف يمكن لشخص عادي إعداد وكيل للذكاء الاصطناعي؟
وخلال الحديث، طُرح هذا السؤال بشكل طبيعي على كونداب: إذا كان الشخص يعرف فقط كيفية فتح تشات جي بي تي، فكيف يبدأ فعليًا باستخدام وكيل للذكاء الاصطناعي؟
وكانت إجابته صريحة بشكل لافت، إذ قال إن الجميع يحاولون الوصول إلى هذه المرحلة، لكنه لا يعتقد أن هناك طريقة بسيطة يمكن من خلالها تحديد شكل واجهة المستخدم وتجربة الاستخدام حتى الآن.
وهذا اعتراف مهم، لأن جعل الوكيل أكثر ذكاءً ليس سوى جزء من المشكلة. فلا يزال يتعين على الشركات تحديد المكان الذي سيعمل فيه، وكيفية تفعيله، والمعلومات التي يمكنه الوصول إليها، والأدوات التي يمكنه استخدامها، وربما الأهم من ذلك، متى يجب عليه التوقف وطلب الإذن.
فلا أحد يريد وكيلًا للذكاء الاصطناعي يمتلك ما يشبه بطاقة ائتمان رقمية، إلى جانب حماس مفرط للتصرف.
وأشار كونداب إلى عروض "غوغل" المتعلقة ب Googlebooks باعتبارها مثالًا على الشكل الذي ينبغي أن تتجه إليه تجربة الاستخدام: عدد قليل من الأوامر البسيطة من المستخدم، بينما تحدث العمليات الأكثر تعقيدًا في الخلفية.
وقال إنهم بحاجة إلى هذا المستوى من التبسيط.
وهنا يتضح دور "كوالكوم" بصورة أكبر. فالشركة قد لا تتحكم في ويندوز أو أندرويد أو الواجهة النهائية التي يتعامل معها المستخدم، لكنها تستطيع التأكد من أن منصة الأجهزة والبرمجيات الأساسية جاهزة عندما يتمكن المطورون أخيرًا من الوصول إلى تجربة الاستخدام المناسبة.
رهان "كوالكوم" الحقيقي: الذكاء المحلي وتنسيق المهام
ساد خلال النقاش شعور بأن الذكاء الاصطناعي الوكيلي ربما يتقدم بوتيرة أبطأ من المتوقع، لكن كونداب رفض هذه الفكرة، موضحًا أن البنية التحتية تطورت بالفعل بسرعة كبيرة من وجهة نظر "كوالكوم".
قبل عامين، كان تشغيل نموذج يحتوي على 13 مليار معلمة على الجهاز يمثل معيارًا مهمًا. أما اليوم، فيشير كونداب إلى أن المطورين يشغلون نماذج تضم 30 إلى 35 مليار معلمة على أجهزة Snapdragon، مع دقة تقترب من مستويات النماذج نفسها، بفضل وحدات NPU التي تقدم أداء يتراوح بين 45 و85 تريليون عملية في الثانية (TOPS).
ومع زيادة كفاءة النماذج، لا ترى "كوالكوم" أن هذه القدرات يجب أن تظل حبيسة أجهزة الكمبيوتر. بل تتصور امتداد طبقة الوكلاء بسلاسة إلى الهواتف والأجهزة القابلة للارتداء والأجهزة الذكية.
وهذا مهم لأن وكيل الذكاء الاصطناعي ليس مجرد روبوت دردشة خفيف يحمل اسمًا أكثر فخامة. فقد يؤدي أمر واحد إلى تشغيل عدة استدعاءات للنماذج، وعمليات بحث، واستدعاء أدوات، واتخاذ قرارات متعددة.
وليس من الحكمة دائمًا إرسال كل خطوة من هذه العمليات إلى السحابة.
فعندما يُتوقع من الوكيل العمل باستمرار بدلًا من الإجابة عن سؤال بين الحين والآخر، تصبح عوامل مثل سرعة الاستجابة والخصوصية وتكلفة تشغيل النماذج بشكل متكرر أكثر أهمية.
لكن "كوالكوم" لا تتعامل مع الأمر باعتباره معركة بين الذكاء المحلي والذكاء السحابي، ولا تفترض أن السحابة ستختفي. بل تريد أن يصبح الجهاز نفسه جزءًا ذكيًا من المعادلة.
ويفضل كونداب استخدام كلمة "التنسيق" (Orchestration) لوصف هذه الفكرة.
وقال: "التنسيق أكثر أهمية".
وهنا يصبح نهج "كوالكوم" مثيرًا للاهتمام. فقد يتولى الهاتف مهمة بسيطة، بينما تلتقط نظارة أو ساعة ذكية السياق، ويتولى الكمبيوتر مهمة تحتاج إلى ذاكرة أكبر أو قدرة تبريد أعلى، بينما تتدخل السحابة عندما تتطلب المهمة نموذجًا أكبر وقدرات استدلال أكثر تقدمًا.
ويصبح الوكيل في هذه الحالة أشبه بشرطي مرور، يقرر أي جهاز وأي طبقة من قدرات الحوسبة يجب أن تتولى المهمة.
وهذا طرح أكثر إثارة للاهتمام من مجرد وضع وحدة NPU أكبر داخل الكمبيوتر المحمول وتسميته "كمبيوترًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي".
تحاول "كوالكوم" عمليًا جعل منظومة الأجهزة بأكملها جزءًا من صندوق أدوات الوكيل. وأظهرت عروض الشركة خلال قمة Snapdragon أن المطورين بدأوا بالفعل تجربة الوكلاء الذين يعملون على الأجهزة، بينما توفر منصتها العتاد والبرمجيات اللازمة لبناء هذه التجارب.
وهناك سبب عملي للإبقاء على جزء من هذه القدرات محليًا؛ فالملفات الخاصة والسياق الشخصي وعمليات الاستدلال اليومية لا تحتاج بالضرورة إلى إرسالها ذهابًا وإيابًا إلى خادم بعيد.
بمعنى آخر، لا تدافع "كوالكوم" عن الذكاء الاصطناعي المحلي في مواجهة الذكاء الاصطناعي السحابي، بل عن وكيل يعرف متى يستخدم كلًا منهما.
الجزء الأكثر إزعاجًا: هل يمكننا الوثوق بهذه الوكلاء؟
كلما أصبح الوكيل أكثر فائدة، احتاج إلى معرفة المزيد عن الشخص الذي يستخدمه.
وهنا تبدأ الأمور في أن تصبح أكثر تعقيدًا.
فروبوت الدردشة يستطيع الإجابة عن الأسئلة دون أن يعرف الكثير عن المستخدم. أما الوكيل المفيد فعلًا، فقد يحتاج إلى الوصول إلى البريد الإلكتروني، والتقويم، والملفات، وخطط السفر، وربما حتى أنظمة الدفع.
المزيد من السياق يجعل الوكيل أكثر ذكاءً وفائدة، لكنه يعني أيضًا أن أخطاءه يمكن أن تصبح أكثر خطورة وتأثيرًا.
واستخدم كونداب مثالًا قريبًا من حياتنا اليومية: الخدمات المصرفية عبر الإنترنت.
فلم نكن دائمًا مرتاحين لفكرة إدخال بيانات بطاقات الائتمان في الهاتف أو الوثوق بشاشة لتنفيذ عمليات مالية نيابة عنا. لكن مع مرور الوقت، جعلت أنظمة المصادقة والأذونات والأمان المدفوعات الرقمية أمرًا طبيعيًا إلى حد كبير.
وقد يمر وكلاء الذكاء الاصطناعي بعملية مشابهة لبناء الثقة، خصوصًا مع انتقالهم من مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ المهام نيابة عن المستخدم.
وقال كونداب إن الناس أصبحوا جميعًا مرتاحين لوضع بطاقات الائتمان في هواتفهم واستخدامها للدفع، رغم أنهم كانوا يشعرون بالقلق عندما ظهرت هذه التقنية لأول مرة.
لكن هناك اختلافًا مهمًا للغاية: وكيل الذكاء الاصطناعي لا ينفذ مجرد معاملة، بل يفسر نية المستخدم ويتخذ قرارات على طول الطريق.
فإذا أساء فهم التعليمات، وأرسل البريد الإلكتروني الخطأ، وحجز رحلة غير صحيحة، أو أجرى عملية شراء لم يكن من المفترض أن ينفذها، فمن يتحمل المسؤولية؟
هل هي الشركة المصنعة للجهاز؟ أم الشركة المطورة لنظام التشغيل؟ أم مطور نموذج الذكاء الاصطناعي؟ أم مطور الوكيل؟ أم المستخدم الذي وثق به في المقام الأول؟
لن تستطيع أي زيادة في قوة وحدات NPU الإجابة عن هذا السؤال.
ويقر كونداب بأن الثقة لن تظهر بين ليلة وضحاها، كما أنه لا يدعي أن "كوالكوم" حلت هذه المشكلة بالفعل.
ويرى أن المستخدمين سيصبحون أكثر ارتياحًا مع تطور المنظومة ووضع حدود أكثر وضوحًا لما يمكن للوكلاء الوصول إليه، وما يمكنهم فعله، ومتى يحتاجون إلى الحصول على إذن.
يمكن لشركة كوالكوم بناء محرك المعالجة، وتحسين النماذج، ومنح المطورين الأدوات اللازمة لتشغيل ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على الأجهزة المحلية، لكن الثقة ليست شيئًا يمكن شحنه داخل علبة المعالج.
بل يجب أن تكسبها المنظومة بأكملها.
رهان "كوالكوم" على وكلاء الذكاء الاصطناعي يتجاوز الكمبيوتر
في النهاية، ما يجعل نهج كوالكوم تجاه الذكاء الاصطناعي الوكيلي أكثر إثارة للاهتمام من مجرد وضع وحدة NPU أسرع داخل الكمبيوتر المحمول، هو تصورها لجهاز الكمبيوتر باعتباره عقلًا محليًا ضمن منظومة أكبر تشمل الهواتف والنظارات والأجهزة القابلة للارتداء والخدمات السحابية.
يمكن لكل جهاز أن يؤدي الدور الذي يناسبه، سواء من حيث قوة المعالجة أو القدرة على جمع السياق والمعلومات.
ويرى كونداب أن كل جهاز سيكون له دور، بحيث يتولى الكمبيوتر المهام التي لا تستطيع الأجهزة الأصغر التعامل معها بسبب القيود الحرارية، بينما تظل السحابة متاحة عندما تتطلب المهمة قدرات حوسبة أكبر.
والمفارقة هنا أن أفضل كمبيوتر يعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يجعل الكمبيوتر نفسه يبدو أقل أهمية.
فبدلًا من فتح التطبيقات والتنقل بين النوافذ وتجميع المعلومات يدويًا، قد يكتفي المستخدم بتحديد ما يريد تحقيقه، ثم يترك للنظام مهمة تحديد كيفية تنفيذ ذلك.
وتبدو "كوالكوم" مقتنعة بأن مكونات الأجهزة أصبحت جاهزة أخيرًا لهذا المستقبل. لكن ما زال يتعين على أنظمة التشغيل والشركات المصنعة والمطورين، وفي النهاية المستخدمين أنفسهم، تحديد ما سيحدث عندما يتوقف الكمبيوتر عن انتظار التعليمات ويبدأ باتخاذ الإجراءات من تلقاء نفسه.
فعلى مدار عقود، ظل الكمبيوتر يسأل المستخدم: "ماذا تريد أن تفعل بعد ذلك؟".
أما عصر الوكلاء فقد يقلب هذه المعادلة أخيرًا، و"كوالكوم" تريد أن تكون منصة Snapdragon جاهزة عندما يحدث ذلك.